وجهة نظر

الصمت الروسى فى أستانا

2017-10-17 12:31:59 |
  • د.أشرف الصباغ
  • لم تخرج مشاورات "أستانا 6" حول تسوية الأزمة السورية، إلا بفكرة إقامة منطقة ما يسمى بـ "تخفيف التوتر" فى إدلب.

    وافقت روسيا على أن يكون لتركيا دور كبير ونشط فى إقامة هذه المنطقة، وبالفعل، بدأت القوات التركية بالتوغل فى إدلب. لكن نظام الأسد أعرب عن امتعاضه فى البداية، ثم غضبه، وبعد ذلك وجه إدانات شديدة اللهجة لا لموافقة روسيا على الدور التركى فى إدلب، وإنما لوجود القوات التركية فى هذه المنطقة.

    وذهب إلى أن توغل الأتراك فى إدلب يشكل عدوانا سافرا على سيادة وسلامة الأراضى السورية وانتهاكا صارخا للقانون والأعراف الدولية. بل وأعلن أن "هذا العدوان التركى لا علاقة له من قريب أو بعيد بالتفاهمات التى تمت بين الدول الضامنة فى عملية أستانا، بل يشكل مخالفة لهذه التفاهمات وخروجا عنها.. وعلى النظام التركى التقيد بما تم الاتفاق عليه فى أستانا".

    ولكن الدول الضامنة لاتفاقات أستانا (روسيا وتركيا وإيران) كانت قد اتفقت على أن انتشار الجيش التركى فى المنطقة الممتدة بين إدلب ومدينة عفرين بمحافظة حلب، وسيشكل نقاط مراقبة فى أكثر من 10 مواقع، تمهيدا لإقامة نقاط مراقبة أخرى فى الأجزاء الداخلية من إدلب، فيما ستؤسس القوات الروسية نقاط مراقبة خارجها، كل ذلك بالتنسيق مع ما يسمى بـ "الجيش السورى الحر".

    وردا على غضب نظام الأسد ورفضه الوجود التركى، ردت أنقرة بشكل يعطى انطباعا بأن قواتها ستبقى لفترة غير قصيرة ليس فقط فى إدلب، وإنما فى مناطق سورية أخرى. إذ قال وزير الدفاع الوطنى التركى نور الدين جانقلى "يجب أن تبقى هذه القوات فى إدلب، إلى حين القضاء على ما يهدد تركيا من الأراضى السورية".

    والمعروف أن التهديد الرئيسى بالنسبة لأنقرة هو الأكراد وتشكيلاتهم المسلحة المدعومة من كل من واشنطن، والتى تعدها تركيا إرهابية. وكانت الرسالة الثانية من أنقرة إلى موسكو مباشرة، عندما قال رئيس البرلمان التركى إسماعيل كهرمان، يوم الأحد 15 أكتوبر الحالى، إن نشر قوات بلاده بمحافظة إدلب السورية جاء بالتنسيق مع أطراف أستانا.

    هذه الرسالة جاءت خلال كلمة لكهرمان فى المؤتمر البرلمانى الدولى فى سان بطرسبورج. وهى رسالة مزدوجة لكل من موسكو ودمشق، حيث أكد أن "هذه الخطوة اتخذت كمتابعة لعملية أستانا، وهو قرار مشترك". أى إذا كان لدى نظام الأسد أى اعتراضات، فعليه أن يوجهها لروسيا. وإذا كانت لدى الأخيرة اعتراضات، فعليها أن تعلن ذلك وتراجع نفسها فى أستانا.

    روسيا من جانبها لا تزال تلتزم الصمت إزاء هذه الأزمة، وتركز فقط على نجاحاتها العسكرية فى سوريا، ونجاحات قوات النظام، وتؤكد بشكل مثير للتساؤلات على نجاح مناطق ما يسمى بـ تخفيف التوتر"، ودعم الولايات المتحدة لتنظيم داعش، بينما المعارك جارية فى كل المناطق السورية، وعمليات التفجير تحدث فى وسط دمشق نفسها، والقصف الإسرائيلى يطال منظومات الدفاع الجوى الروسية التى بحوزة قوات بشار الأسد.

    وفى ظل كل ذلك، وتأكيدا على نجاح روسيا وبشار الأسد، دعا الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، يوم السبت 14 اكتوبر الحالى، المجتمع الدولى إلى التفكير فى إعادة تعمير سوريا بعد انتهاء الحرب، وهو يعرف جيدا، وفق تقارير روسية، أن سوريا مقسمة حاليا، حيث يقع ثلث أراضيها تحت سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" المدعومة من واشنطن، والتى يشكل الأكراد عمودها الفقرى.

    كما تسيطر مجموعات مسلحة موالية لتركيا فى شمال محافظة إدلب على مساحات (3 فى المئة من مساحة سوريا تقريبا) يعيش فيها حاليا أكثر من 21 فى المئة من سكان سوريا. هذا إضافة إلى أن قوات سوريا الديمقراطية التى تسيطر على عدد من حقول النفط فى دير الزور، قد أعلنت فى 17 أكتوبر الحالى أنها حررت مدينة الرقة تماما من إرهابيى داعش.

    وعلى الرغم من كل ذلك، يعلن رئيس إدارة العمليات فى هيئة الأركان الروسية سيرجى رودسكوى أن الحرب ضد الإرهابيين فى سوريا قد اقتربت من نهايتها، وأنهم "يسيطرون حاليا على أقل من 8 % من الأراضى السورية"، ولكنها أراض تحتوى على النفط، لذلك فإن تحريرها بالنسبة لدمشق وموسكو لم تعد مهمة عملية فقط، بل مهمة حربية-استراتيجية. ويبدو أن رودسكوى واثق من أن قوات الأسد المدعومة بالقوات الروسية ستسبق قوات التحالف الأمريكى إلى تحقيق الهدف.

    وعقب هذه التصريحات، توجه وزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو إلى إسرائيل، ليعلن من هناك، يوم الاثنين 16 أكتوبر، أن العمليات العسكرية ضد الإرهابيين فى سوريا تقترب من نهايتها. وأثار هذا الإعلان، الذى صدر من شويجو خلال تواجده فى إسرائيل تحديدا، الكثير من التساؤلات، وخاصة فى ما يتعلق بتصريحه حول "الجوانب التى تتطلب إيجاد حل عاجل، ومناقشة آفاق تطور الوضع فى سوريا فى المستقبل".

    والمثير أيضا أن هذه التصريحات والإعلانات، جاءت فى نفس اليوم الذى قصفت فيه إسرائيل منظومات دفاع جوى روسية بحوزة قوات الأسد. وهذه ليست المرة الأولى التى تقوم فيها إسرائيل بذلك خلال الفترة التى أعقبت تأكيدات روسيا بأنها نجحت فى إقامة منطقة ما يسمى بـ "تخفيف التوتر" فى جنوب سوريا.

    روسيا فى حالة صمت غير مسبوق. ومن المتوقع أن تظهر تصريحات من جانب موسكو، ولكنها ستكون تصريحات مطاطة ليس لها أى معنى أو قيمة، فى ظل الخلافات الكامنة بيها وبين أنقرة، والتى ظهرت بحدة فى شكل تناقضات تكاد تطيح بالعلاقات الروسية – التركية الهشة والقائمة على انعدام الثقة بين الطرفين.

    ويبقى موعد "أستانا 7" فى مهب الريح. فمندوب روسيا إلى مشاورات أستانا ألكسندر لافرينتيف أعلن فى منتصف سبتمبر الماضى أن "أستانا 7" سيكون فى نهاية أكتوبر، بينما قال وزير الخارجية الكازاخى خيرت عبد الرحمنوف، يوم 17 أكتوبر الحالى، إن الموعد الدقيق لانعقاد الجولة السابعة من مفاوضات أستانا حول سوريا، سيتحدد فى "أقرب وقت". هذا إضافة إلى تضارب بنود أجندة المشاورات على خلفية التناقضات الحادة ليس فقط بين المعارضة السورية ونظام الأسد، بل وأيضا بين موسكو ودمشق، وموسكو وأنقرة، وعدم رضاء طهران المكتوم عن الوجود التركى، ومن خطوات روسيا التى يمكن تفسيرها بأكثر من معنى.

    إن المناطق الأربع لما يسمى بـ"تخفيف التوتر" (غوطة دمشق الشرقية، ومحافظتا حمص وحماة، وجنوب البلاد قرب الحدود مع الأردن، وفى محافظة إدلب) مشتعلة ومليئة بالفوضى والكر والفر. والمعارك والصراعات على دير الزور والرقة متواصلة. وروسيا والأسد فى سباق مع الزمن من أجل السيطرة ليس فقط على مناطق الطاقة، بل وعلى المناطق الآهلة بتعداد سكانى أكبر، من أجل خطوة قادمة بشأن إجراء انتخابات ولو شكلية لصالح استمرار الأسد فى الحكم، لأنه الضامن الوحيد لوجود روسيا فى سوريا.

    ولكن السؤال لذى لا يزال يتردد، هو: لماذا توجه وزير الدفاع الروسى إلى إسرائيل؟ ولماذا أعلن من هناك اقتراب انتهاء العمليات العسكرية؟ وماذا يجرى بين روسيا وإسرائيل بشأن سوريا أولا، وبشأن إيران ثانيا؟ خصوصًا أن تل أبيب تحمِّل موسكو مسؤولية تزايد نفوذ طهران فى الشرق الأوسط، وتطالبها بوضع حد له، وأنها فى الأساس أعلنت عن معارضتها الشديدة لنشر القوات الإيرانية ومقاتلى تنظيم "حزب الله" فى جنوب سوريا.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى