وجهة نظر

مناورات أردوغان التى لا تنتهى

2017-10-10 09:23:58 |
  • د.أشرف الصباغ
  • لم تكد روسيا تعلن بثقة أنها ستقوم بتوريد منظوماتها الدفاعية من طراز "إس – 400" إلى تركيا، حتى ظهر وزير الخارجية التركى مولود شاويش أوغلو، ليعلن أن أنقرة قد تتخلى عن شراء هذه المنظومات من موسكو، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن إنتاجها المشترك.

    واعتمد الوزير التركى على كلام الرئيس الروسى فلاديمير بوتين عندما قال إن الجانبين "الروسى والتركى" يستطيعان اتخاذ خطوات للإنتاج المشترك، وإن التكنولوجيا ذات الصلة ستكون متاحة لتركيا. وفى نهاية المطاف حذَّر تشاوش أوغلو من أنه "إذا اتخذت روسيا من هذا الأمر موقفا سلبيا، فعندها يمكننا التوصل إلى اتفاق الاتفاق مع بلد آخر".

    روسيا بعثت برسالتها هذه إلى الغرب على الرغم من أن تقارير كثيرة تقلل من حجم وقيمة هذه الصفقة، وأنها قد لا تكتمل أصلا، أما تركيا فهى بهذه التصريحات تعود لتغازل الولايات المتحدة وأوروبا، فالوزير التركى قال: "نحن نطلب شراء المنظومات الروسية على وجه السرعة، لأننا بحاجة إليها، فنحن نحتاج لحماية مجالنا الجوى".

    وإذا كانت الدول التى تعارض شراء تركيا لهذه المنظومات من روسيا، لا تريد أن نشترى "إس 400" من موسكو، فيجب عليها أن توفر لنا الخيار البديل"، وبالتالى، فأنقرة تعود مجددًا إلى نقطة الصفر فى ابتزازها لحلف الناتو والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة.

    والصيغة السابقة، هى الصيغة التى انطلقت منها تركيا عندما شرعت فى التوجه نحو السلاح الروسى، على الرغم من أنها تعرف أن أقرب وقت لتوريد مثل هذه المنظومات، فى حال نجاح الصفقة، لن يبدأ إلا فى عام"2020 -2022".

    أما حديث أردوغان نفسه عن أن تركيا سددت لروسيا الدفعة الأولى من قيمة الصفقة، فهو مجرد كلام مرسل، لأن الاتفاقات بين موسكو وأنقرة، سواء بخصوص هذه الصفقة أو بخصوص المحطة الكهروذرية فى تركيا، تعتمد فى الأساس على قروض روسية طويلة الأجل، أى أن تركيا لم تسدد أى شىء، والأمر مجرد أرقام وحسابات على الأوراق، وفى الحقيقة فقد كان من المتوقع أن تظهر مشكلة نقل التكنولوجيا، وهى ليست المشكلة الوحيدة، ولكنها قد تعتبر سببا وجيها لإلغاء الصفقة.

    واعترف الطرفان الروسى والتركى أنهما لم يناقشا هذه المسألة، على الرغم من أن تصريحات الجانبين طوال العام الأخير تدور حول نقل التكنولوجيا الروسية الخاصة بهذه المنظومات إلى تركيا وتصنيعها على أراضيها.

    روسيا تحاول قدر الإمكان ضبط الأمور وعدم الإدلاء بأى تصريحات حادة فى هذا الشأن، لأنها بحاجة ماسة وضرورية لتركيا الأردوغانية تحديدا، بالضبط مثل ما تحتاج تركيا لروسيا فى العديد من السيناريوهات، وبالتالى أعلن الكرملين أن الاتصالات والمفاوضات على مستوى الخبراء فى سياق هذه الصفقة مستمرة.

    لكن الغريب أن تصريحات أنقرة جاءت بعد يومين فقط من توقيع روسيا والسعودية مذكرة تفاهم حول "مضمون ما" شبيه تماما بمضمون الصفقة "الروسية – التركية"، الفارق الوحيد بين الأمرين هو أن الرياض قادرة على السداد "كاش" وليس بقروض روسية، هذا طبعا إذا تمت الصفقة أصلا.

    هناك مخاوف كثيرة بشأن شراء مثل هذه المنظومات، فالمشاكل التى صاحبت توريد منظومات "إس – 300" لإيران لا تزال عالقة فى الأذهان، إذ استغرقت هذه الصفقة أكثر من 10 سنوات، إلى أن أصبحت المنظومات نفسها قديمة، وحيث ظهرت منظومات "إس – 400" و"إس – 500".

    ومن الواضح أن أردوغان الممتن جدا لنظيره الروسى لأسباب كثيرة معروفة، لا يريد أن يقع حتى النهاية فى الفخ الروسى، خصوصًا وأنه رغم كل تصريحاته الحادة والمتسرعة لم يقطع الأمل فى العلاقات مع الغرب، ويعرف أن الغرب يغازله بكل الطرق الممكنة ولكن فى حدود المصالح، وفى حدود أن تعرف تركيا مكانها الصحيح فى خريطة المصالح الإقليمية والدولية وأن لا تتجاوزها، أو تنتهك السيناريوهات الأوروأطلسية تجاه روسيا والصين.

    بعد ساعات من تصريحات وزير الخارجية التركى، توجه أردوغان إلى أوكرانيا فى زيارة يبحث خلالها مع نظيره الأوكرانى بيترو بوروشينكو، التعاون الثنائى والنشاطات المشتركة فى مجال الدفاع ومسألة تتار شبه جزيرة القرم.

    وتضمَّن الوفد المرافق نائب رئيس الوزراء فكرى إشيق، ورئيس الأركان خلوصى أكار، ووزير الخارجية، مولود جاويش أوغلو، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية، براءت ألبيرق.

    هذا على الرغم من أن أردوغان يعلم جيدا أن شبه جزيرة القرم أصبحت إقليما روسيا، وأن تتار شبه الجزيرة خاضعون تماما للقوانين الروسية، باعتبار أنهم مواطنون روس لا أوكرانيين.

    كما أن بحث التعاون الثنائى والنشاطات الدفاعية المشتركة بين أنقرة وكييف يأتى فى توقيت مهم بالنسبة لروسيا وتركيا، حيث تتزايد الخلافات والشكوك والمشاكل بشأن ما يجرى فى إدلب، وحيث تؤكد روسيا للعالم أنها على ثقة تامة من نجاح مساعيها فى رسم مشهد "روسى إيرانى تركى بمشاركة المعارضة السورية ونظام دمشق"، لبدء مباحثات سياسية لتسوية الأزمة السورية.

    غير أن الواقع على العكس تماما، إذ أن هناك الكثير من الخلافات بين تركيا وإيران فى إدلب وفى سوريا كلها، ورفض من جانب نظام الأسد للوجود التركى فى سوريا من أساسه، وغضب وامتعاض مكتومين بين موسكو من جهة وبين طهران والأسد من جهة أخرى.

    من الواضح أن أردوغان غير مطمئن تماما لروسيا، وغير واثق من خطواته إزاء الغرب، ومن الواضح أيضا أن هناك ضغوطا روسية على أردوغان لتوسيع المسافة بينه وبين الولايات المتحدة من جهة، وبينه وبين المعارضة السورية الحليفة له من جهة أخرى، وبينه وبين حلفائه التقليديين فى منطقة الخليج، ولا أحد يعرف ما ذا سيكون رد فعل أنقرة، فى إذا ما تكبدت قواتها فى إدلب خسائر ما.

    وكيف سيكون رد فعل أردوغان: هل سيتورط أكثر فى سوريا وفق السيناريو الروسى، أم سيتمهل قليلا، أم سيعود أدراجه نحو الولايات المتحدة والتحالف الدولى؟!

    فى كل الأحوال تتوالى مناورات أردوغان بشكل مثير للتساؤلات، ويعكس انعدام ثقة وخوف وشكوك، خاصة وأنه لا يستطيع أن يعرف الموقف "الحقيقى" لروسيا من إقامة دولة كردستان، وبالتالى، توجه ليناقش مشاكل تتار القرم مع كييف وليس مع موسكو.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49 الكمَّاشة الأمريكية التركية حول روسيا 2018-01-30 13:07:18 حوارات الطرشان فى سوريا 2018-01-23 14:12:34 المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة 2017-12-19 10:34:01 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية 2017-11-28 12:44:19 وفعلها بوتين 2017-11-21 11:30:53 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30
    للأعلى