وجهة نظر

المصريون يصنعون أكتوبر جديد

2017-10-06 11:43:47 |
  • أحمد سليم
  • أحمد سليم

    يظل التاريخ يتوقف عند محطات معينة تحمل أرقامًا لا يستطيع الزمن محوها، ومن هذه المحطات والأيام يظل السادس من أكتوبر علامة فارقة فى التاريخ عمومًا، وليس تاريخ الصراع "العربى – الإسرائيلى" فقط.

    يمتد تأثير هذا اليوم إلى العالم كله ليُقدم لنا دليلًا دامغًا على قوة إرادة المصريين، وأنهم قادرون على الصبر والصمود والتحدى والنصر، لم تكسر هزيمة يونيو إرادة المصريين، ولم توقف غارات العدو على المدنيين فى القاهرة ومحافظات أخرى مسيرة التحدى التى بدأتها القوات المسلحة بعد التاسع من يونيو مباشرة.

    استطاع الجنود التقاط أنفاسهم ولملموا الجراح وتحملوا موقف بعض أبناء الشعب منهم، تحملوا النكات القاسية والسخرية القاتلة، وبدأوا يدرسون ويخططون ويعملون ويقاتلون وكانت حرب الاستنزاف حربًا حقيقية تدرس بكل الأكاديميات.

    حرب لمدة ست سنوات لم تتوقف منذ معركة رأس العش، وإغلاق إيلات، وتدمير الرصيف البحرى، وظل رجال الرفاعى وعفاريت عبد الجابر وقصص كثيرة تكفى كل منها لصناعة أفلام وروايات وكتب وملاحم، ظل كل ذلك يتزامن مع خطة يصنعها خبراء عسكريون ومدنيون للإعداد لحرب يعيدون بها الكرامة.

    انظروا إلى المصريين فى مدن القناة الثلاث تم تهجيرهم من منازلهم لم يعترض أحد ولم يطلب تعويضًا بل تركوا ممتلكاتهم وجاءوا إلى مدارس ووحدات محلية يسكنون بها ويعيشون مع أسر فى محافظات الدلتا.

    انظروا إلى أبناء سيناء الذين تحولوا إلى جهاز مخابرات مُتقدم للقوات المسلحة المصرية، كان المصريون جميعًا يد تبنى ويد تحمل السلاح، لم يتوقف مصنع عن العمل ولم تغلق شركات ولم تزد نسبة البطالة، كان الأهالى فى المحافظات يتسابقون للمساهمة فى المجهود الحربى، أم كلثوم تجوب العالم تنظم الحفلات تبرعًا للمجهود الحربى، والأبنودى وحليم وبليغ وعشرات الفنانين يشاركون فى رحلات للجبهة لمساندة الأبطال.

    كانت كل أسرة تفتخر بأن لها ابنًا على الجبهة.. كان أحد كبار عائلتنا مديرًا لشئون الضباط ولم يفكر كثيرون من أبناء عمومته فى نقل أبنائهم من الجبهة، وعندما فكر أحدهم كان رده الحاسم وإذا نقل كل قائد أقاربه فمن يحارب ويدافع عن البلد؟!

    كانت مصر كلها جيشًا فى المعركة.. كنا نُذاكر وننجح وفى نفس الوقت كانت أغلب المدارس تحت قيادة عسكرية مع القيادة المدنية لتدريب الطبلة وإعدادهم لتكوين جيش شعبى للدفاع عن الوطن وقت الحاجة، قدمت حرب أكتوبر وما قبلها الدليل القوى على أن مصر يمكنها أن تتحول كلها إلى جيش مُقسمة وحداته على طول البلاد وعرضها، كنا نفتخر بأن من عائلتنا شهيد، وكان الطلبة ينقلون حكايات أبائهم وأخواتهم الكبار عن حرب الاستنزاف بكل اعتزاز، كنا نحلم بالنصر وعملنا من أجل تحقيقه.. لم نحلم ونحلم ونصمت، ولم نطلب من الحكومة أن تذهب لتحارب، ولم يتململ مصرى ولا مصرية من ضيق ذات اليد، كان لدى مصر كلها صوت واحد هو تحرير الأرض وصيانة العرض.

    ويأتى أكتوبر 2017 ليذكرنا بحالة "أكتوبرية" جديدة تعيشها مصر مع فوارق فى القدرة على التحمل والرغبة فى التضحية، مصر تمر بنفس ظروف أكتوبر 1973، ليس لدينا أرض مُحتلة ولكن لدينا مؤامرة لتقسيم الوطن وهدم الدولة.

    فى أكتوبر 1973 كان العدو واحدًا ومحدودًا وواضحًا، وفى أكتوبر 2017 الأعداء كُثر منهم عرب وغرب وأبناء وطن عاقون، لذلك التحدى فى أكتوبر 2017 أراه أصعب، لكنه أيضًا أهم لأن النصر فيه سيحسم الكثير من القضايا، مصر تعود عربيًا لتحمل هم الملفات.. الملف السورى.. الملف الليبى.. والفلسطينى والعراقى واليمنى "كثيرة هى ملفات الساعة"، مصر تعود عالميًا، مصر داخليًا تُحارب معركة التنمية والاستقرار، أحلام بدت بشائرها فى الظهور.. عاصمة إدارية جديدة احتفلنا ببداية ظهورها للواقع وفى غضون شهور تبدأ الوزارات فى نقل مقارها ويعقبها استكمال ذلك فى سنوات ثلاث، تبنى بأموال مصرية حتى لو كانت قروضًا ستسدد، وبسواعد مصرية تؤكد على قدرة وقوة إرادة المصريين، مناطق صناعية، مدن جديدة فى العلمين والجلالة وأسيوط والصعيد.

    خريطة جديدة لمصر كشف عنها التعداد الذى كشف عن الكثير لنصحح ونبنى ونتقدم.

    أكتوبر جديد بدأت عجلة البناء وكما سطر المصريون قصة رائعة فى أكتوبر 1973، سيسطرون قصة أكثر من روعة فى أكتوبر الحالى والمقبل، وإذا كان حفل أكتوبر الحالى فى العاصمة الإدارية سيكون احتفالنا المقبل فى شمال سيناء ليس فى الصحراء، لكن فى مدن ستُقام وطرق ستُشق وجامعات ستنشأ.. الطريق إلى سيناء تم فتحه عبر الأنفاق، ويتم ربط الوادى بسيناء، وتنتهى غربتها إلى الأبد.

    مصر عادت شمسك الذهب فى الجلالة والقناة والأقصر وحلايب.. مصر عادت قادرة على العمل والإنتاج.. ملامح المستقبل تظهر، وكما حكى الآباء لنا عن نصر أكتوبر 1973 سنحكى لأحفادنا أن هناك زعيمًا قاد مصر أيضًا فى ظروف صعبة وقاسية وحقق نصرًا أخر، وسيتوقف التاريخ مرة أخرى ليحكى لنا قصة جديدة عن إرادة المصريين.

    أحمد سليم
    للأعلى