وجهة نظر

العالم الموازى

2017-10-05 09:06:18 |
  • إيرينى ثابت
  • أشارت لأول تاكسى وكان تاكسى أبيض وأسود.. وصرخت بصوت عال لتعلمه بالمكان الذى ستتجه إليه.. لا بد أن تصرخ حتى يتبين كلماتها فى هذا الصخب..

    قالت له مكان عملها الذى تذهب إليه بالتاكسى لأنها تكره القيادة فى شوارع القاهرة المزدحمة.. وقف سائق التاكسى قائلا: تفضلى.. هى تفضّل التاكسى الأبيض وتكييف الهواء حتى تغلق زجاج النافذة وتسكت ضوضاء الشارع.. ولكن الوقت ضيق ولا بد أن تسرع..

    ركبت التاكسى وانطلق بسرعة متفاوتة، يقفز أحيانا فى أى بقعة صغيرة تتسع له وسط السيارات.. وأحيانا أخرى يقف بلا مخرج.. أدار الراديو وجعل يقلب محطاته.. أخبار.. كرة.. موسيقى بلا كلمات.. أغنية لعبد الحليم.. قالت فى نفسها: ياه! أغنية "أهواك"، لم أسمعها منذ فترة طويلة، ليته يتوقف هنا.. توقف بالفعل وكأنه قد سمع ما يجول بخاطرها.. أخذت تسمع بشغف وتتذكر كلمات الأغنية.. جميلة أغانى زمان!! كلمات ذات معنى عميق.. وغريب فى الوقت نفسه.. "أهواك وأتمنى لو أنساك"؟؟ كيف هذا؟ الذى يحب شخصا يتمنى أن يكون معه لا أن ينساه.. ربما فى الأمر مشكلة ما..

    توقفت الكلمات برهة وجاءت الموسيقى التى تداعب روحها.. لطالما خاطبت موسيقى أغنيات زمان عقلها ووجدانها.. عاد لها الشعور نفسه بأن رأسها تطرب للموسيقى وتتمايل أفكارها معها.. تغيّر شكل وجهها من العبوس والزهق إلى البشاشة.. حتى عيناها ابتسمتا.. بسرعة وضعت يدها على النظارة الشمسية لتتأكد من أنها تخفى عينيها حتى لا تنكشف نشوتها بالأغنية أمام سائق التاكسى..

    اكتشفت أنها قد انتقلت إلى عالم آخر.. عالم مواز لذلك العالم الصاخب.. وهى تسمع الموسيقى والكلمات وصوت عبد الحليم، لم تعد تشعر بالعالم الخارجى مع أنها كانت تنظر السيارات.. لم تعد تضجر من أصوات الكلاكسات بالرغم من أنها تسمعها ولكنها لا تصغى إلا لعبد الحليم.. "أشتاق لعذابى معاك! ألقى دموعى فاكراك!".. الشوارع التى تزعجها كل يوم لم تعد سوى صورا باهتة لا معنى لها فى مقابل عالم الكلمات والألحان الذى أخذها بعيدا.. كل يوم كانت تنظر فى ساعة يدها كل خمس دقائق وهى متعجلة فى طريقها للعمل، واليوم نسيت الوقت..

    تساءلت فى نفسها: كيف كانوا يضعون تلك الكلمات؟ هل كان ذلك العصر أكثر رومانسية؟ أكيد.. "وألاقيك مشغول وشاغلنى بيك.. إلى آخرها" لقد كررها ست مرات متتالية.. ثم مرة سابعة ببطء والجماهير تصرخ بنشوة.. كيف لم تتضايق وهى التى لا تحب أن يكرر لها أحد الكلمات مرتين؟ على العكس وجدت أنها مشتاقة لسماع الجملة نفسها عدة مرات وكلما ينهيها تنتظر تكرارها.. أليس هذا غريبا؟

    ها هو يكررها ببطء لمرة ثامنة، وهم سعداء، وهى أيضا.. سعيدة جدا جدا بعبد الحليم وبتكرار الكلمات والموسيقى مرة ومرات.. يقول: "أبعت روحى تصحيك" وهى فى الوقت نفسه تستفيق من غيبوبتها لأن التاكسى وقف أمام مكان عملها.. خسارة ستضطر للنزول وتترك بقية الأغنية.. كانت على وشك أن تقول للسائق: ينفع أكمل الأغنية وبعدين أنزل؟ ولكنها تذكرت أنها فى العالم الواقعى وليس العالم الآخر.. كانت ستنسى الأجرة ولكنها كانت سخية عندما تذكرتها.. مشيت ببطء وخفة وكان يومها كله مختلفا.. كان أكثر سعادة..

    كل عام والعالم أكثر سعادة بمناسبة اليوم العالمى للموسيقى 1 أكتوبر.. يا ليتنا نستحضر ذلك العالم الموازى عدة مرات كل عام!!

    إيرينى ثابت
    للأعلى