وجهة نظر

الحروب الكبرى لا تنتهى

2017-10-03 15:15:45 |
  • محمود بسيونى
  • انتهت الحرب مع إسرائيل بانتصار أكتوبر وإطلاق عملية السلام، فلماذا يتسلح الجيش المصرى إذًا ولمن؟ السؤال الثانى: فى السنوات الأخيرة تداخلت وتشابكت التهديدات، هل تغير العدو؟

    كلا السؤالين قد يكونا بداية نقاش أو نهايته فى الشارع المصرى، تنتهى دون حسم وغالبا ما يقمع من يشعر بالخطر ويتهم بالإيمان بنظرية المؤامرة، ولا أدرى كيف يمكن أن يقتنع عقل ناضج بأن كل الصراعات التى دخلتها مصر كانت بمحض الصدفة، وأن يطمئن إلى أن كل التهديدات القادمةِ تطرقُ حدودَنا بعنفٍ وهمية؟

    أتصور أن الوعى بحجم الصراع الذى يعيشه العالم يتطلب منّا نظرة أخرى، وأن نعيد النظر فى تأثيرات الحرب النفسية علينا، خصوصًا مع قوة الخصم والتطور الكبير فى أساليبه الإقناعية، وقدرته على نسج أنساق معرفية تخدمها أجهزة إعلامية واسعة الانتشار، تمكنت عبر سنوات من زرع أفكار التطرف والفتنة الطائفية والشك فى الدولة وأجهزتها، وتجرّأت على استهداف قلبها الصلب، القوات المسلحة.

    كان انتصار الجيش المصرى فى حرب 1973 مخيفاً فى تأثيره على القوى العظمى، لأول مرة فى التاريخ العسكرى يهاجم جيشاً عربياً أقل تسليحا وأضعف تكنولوجيا، تسنده دولة فقيرة شعبها يقف ساخطاً فى طوابير طويلة للحصول على رغيف خبز قد لا يجده، ويحقق الانتصار الأول على دولة غربية منذ مئات السنين، ثم تكررت الصدمة فى ثورة يونيو 2013، لقد نزع الشعب حكماً عميلاً خائناً ارتدى ثوب الدين ليقنع البسطاء بطهارة زائفة، بينما يجهز العدة لذبحهم، خطورته أن بقاياه تعيش بيننا، وتستكمل الحرب النفسية بأدوات جديدة تريد أن تصل إلى نفس النتيجة، ومع ذلك مصيرها معروف.. الفشل.

    انتهت المواجهة بالأساليب العسكرية، لكنها مستمرة عبر معارك من نوع خاص لا تعرف السلام، كثير منا قد لا يتوقف أمام خبر تصفية إرهابيين أو تدمير سيارات محملة بأسلحة على حدودنا الغربية، قد لا ينتبه لهجوم تشنه منظمات أو وسائل إعلام دولية للضغط على الدولة المصرية، إذا أعملنا العقل فيما يحدث حولنا سندرك أن الحرب لم تنتهِ بل تدور وبشكل أكثر شراسة.

    قد لا تدرك حجم التضحية المقدمة لتذهب إلى عملك فى أمان أو تتنزه مع أسرتك فى أيام الجمعة دون مضايقة، والحقيقة أن هناك من دفع حياته فى صمت ثمناً للوصول إلى تلك النتيجة، والدولة المصرية "بنيت" على تضحيات متنوعة، و"ثبتتها" دماء ذكية لشهداء أبرار لن تنساهم أو تنسى ثأرهم.

    "كلما زادت قوتك قلت احتمالية الحرب"، مقولة أوتو فون بسمارك مؤسس ألمانيا الحديثة التى تحولت إلى قاعدة دفاعية مهمة فى العلوم العسكرية، ولذلك من المنطقى أن تتسلح مصر لتحمى نفسها وجيرانها فى معارك النفوذ والهيمنة، فالحفاظ على الدولة ومواردها الطبيعية من الغاز والبترول وحماية مشروعاتها الكبرى أمر يتطلب مواكبة التطور التكنولوجى الهائل فى مجالات التسليح المتعددة.

    أما العدو فهدفه فى اعتقادى ليس احتلال أراضيها وإنما القضاء على أسباب قوتها، وشل قدرتها على تطبيق مشروعها الوطنى وكسر استقلالية قرارها، والتلاعب بشعبها واختراق عقله بنعومة بأفكار عن الحرية تصل به إلى نقطة قبول "الشذوذ الجنسى" على سبيل المثال، فتتغير تركيبة الجندى الذى تمكن من العبور فى حرب أكتوبر، ذلك الوحش الجسور الذى نفض عنه غبار سنوات القهر والاحتلال وأسمع العالم صوت زئيره .العدو واحد لكنه يستبدل أقنعته.

    حسنٌ، اترك نظرية المؤامرة جانباً وفكر معى فى مجموعة المصادفات التالية:

    بريطانيا هى صاحبة وعد بلفور الذى نشأت بموجبه إسرائيل.

    بريطانيا هى صاحبة أول تمويل لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية.

    بريطانيا تكره جمال عبد الناصر لأنه أمّم القناة وأذلّها وقضى على قوتها العظمى فى حرب بورسعيد 1956.

    بريطانيا ما زالت تأوى قيادات الجماعة الإرهابية، وتوفر الملاذ الآمن لهم بل وتستضيف قنوات الجماعة الإرهابية وتتجاهل كل طلبات مصر لتسليمهم.

    كان الطالب الإيطالى جوليو ريجينى يدرس فى جامعة كامبريدج البريطانية.

    كانت بريطانيا أول من أكد للروس إسقاط داعش للطائرة الروسية فى سيناء.

    كلها مصادفات بالتأكيد.. لا مجال لنظرية المؤامرة!

    أكتوبر مستمرة، الحرب لم تنتهِ

    محمود بسيونى
    للأعلى