وجهة نظر

هل تصبح روسيا رمانة الميزان بين السعودية وإيران؟

2017-10-03 14:23:13 |
  • د.أشرف الصباغ
  • لا تخفى روسيا طموحاتها بأن تصبح لاعبا رئيسيا ليس فقط فى داخل منطقة الشرق الأوسط، بل وبين دوله والدول المجاورة أيضا.

    كل النشاطات السياسية الخارجية لموسكو بداية من عام 2012، تشير إلى أن روسيا ما بعد السوفيتية تمكنت من مراكمة رصيد يسمح لها بتسييله إلى أوراق اقتصادية وسياسية وعسكرية ليصب في مصالحها بالشرق الأوسط، وبين دول المنطقة وبعض الدول المجاورة مثل تركيا وإيران. وفى الحقيقة، فهى تنجح تارة وتفشل تارة أخرى، لأنها ليست اللاعب الكبير الوحيد فى العالم من جهة، وليست تلك القوة التاريخية المؤثرة فى المنطقة من جهة أخرى. هذا إضافة إلى أن روسيا فى الأساس، سواء كانت روسيا القيصرية أو السوفيتية أو الاتحادية، هى إحدى إمبراطوريات الأطراف. وهو الأمر الذى يعمل الغرب على تأكيده وتثبيته.

    قبيل زيارة العاهل السعودى الملك سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا، تغيرت فجأة لهجة وسائل الإعلام الروسية، وانتشرت صور الملك فى شوارع وساحات موسكو وضواحيها، وكل الشوارع التى يمكن أن يمر بها موكبه. وبدأت وسائل الإعلام الروسية تركز على إنجازات السعودية، والعلاقات التاريخية والاستراتيجية بين موسكو والرياض. وذلك على عكس تناول وسائل الإعلام فى روسيا للملكة العربية السعودية. واعتبر المراقبون أن هذه الخطوة جيدة، ومبشرة بالخير على الرغم من الخلافات الواضحة فى العديد من الملفات السياسية، وعلى رأسها الملف السورى.

    قبيل الزيارة بيومين فقط، أظهرت روسيا رغبة بأن تصبح "رمانة ميزان" بين السعودية وإيران. إذ أعلن الكرملين أن التعاون مع المملكة لن يلحق أى ضرر بالعلاقات الروسية الإيرانية، لأن هذين المسارين متوازيان. وأوضح أن هذه العلاقات "مكتفية بذاتها" وتمثل مسارا مستقلا فى سياسات روسيا الخارجية، انطلاقا من المكانة بالغة الأهمية التى تشغلها السعودية فى المنطقة والعالم العربى برمته، ومشددا فى الوقت نفسه على أن العلاقات مع الرياض لن تتأثر بالاتصالات بين موسكو وطهران.

    فى الحقيقة، لقد أصدرت موسكو بيانين على أعلى مستوى بشأن زيارة العاهل السعودى لروسيا. وهذا بحد ذاته يعكس الآمال التى تبنيها روسيا على هذا الزيارة. ومن جهة أخرى، توضح لإيران أنها قادرة على تنويع الحلفاء. هذا الإيضاح يلجم الحليف الإيرانى قليلا، ويعطيه الأمل بأن موسكو قادرة على تهدئة الأمور بينه وبين خصمه السعودى من جهة أخرى. وهنا لا ينبغى تجاهل أن روسيا تتعامل ببرجماتية تامة فى علاقاتها بكل الأطراف. أى أنه لا مانع لدى موسكو من أن تتعامل مع الرياض وطهران وحماس والسلطة الفلسطينية والأسد وأردوغان، طالما ذلك يحقق لها أى نوع من أنواع المصالح.

    الحقيقة الأخرى، أن لا موسكو ولا الرياض تعولان على إطلاق مبادرات بشأن سوريا، ولا يعول أى من الطرفين على إطلاق تصريحات ساخنة بشأن الأسد، نظرا لأن الطرفين متمسكان بمواقفهما المختلفة فى هذا الصدد. وبطبيعة الحال، ينتظر الرأى العام "الشعوذات الإعلامية" التى يمارسها الإعلام الروسى بتحريف التصريحات أو اجتزائها وتوجيهها فى اتجاهات معاكسة تماما. ولكن ذلك لن يصلح أو يعالج شيئا، ولن يضفى على المواقف أى شىء مفيد، سوى التضليل والمزيد من التزييف.

    يبقى الجانب الاقتصادى والاستثمارى بين موسكو والرياض، وهو ما تعول عليه روسيا. فهناك "أحلام" و"طموحات" كثيرة بتحقيق طفرة اقتصادية واستثمارية بمليارات الدولارات. إذ أن الحديث يدور عن 10 مليارات دولار، بينها مليار فى قطاع الطاقة، ومليار فى قطاع البنية التحية فى روسيا، ومليار فى صندوق استثمار مشترك. ومليارات أخرى تتوزع على قطاعات مختلفة، على رأسها "أحلام" حول السلاح والتسليح. وهو فى الحقيقة، ما تعول عليه موسكو بشدة.

    غير أن المثير هنا، رغم كل تلك المليارات التى يجرى الحديث عنها، أن حجم التبادل التجارى بين البلدين لا يتعدى 500 مليون دولار، منها 350 لصالح روسيا، و150 لصالح السعودية. وبطبيعة الحال، هناك تلميحات من أوساط الأعمال الروسية، وإيماءات من أوساط دبلوماسية وسياسية، بأن روسيا قادرة على إقامة علاقات متنوعة من الأطراف المتناقضة، وقادرة أيضا على استخدام هذه العلاقات كأوراق ضغط على هذا الطرف أو ذاك. ولكن السؤال الذي يتردد هنا هو: هل ستنجح روسيا في إدارة العلاقات بين الرياض وطهران؟ وهل ستنجح فى الحفاظ على ثقلها ونفوذها أثناء لعب أى دور بين الرياض ونظام بشار الأسد؟

    الآمال والطموحات كثيرة. والمحللون الروس متمرسون للغاية فى نسج السيناريوهات التى ليس لها علاقة لا بالواقع ولا بالأحداث. ولكن القيادة الروسية نفسها تبذل أقصى جهودها لتسييل تراكماتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية إلى أوراق لعب نشطة ورابحة لتحقيق مصالح روسيا حصرا، وبشكل برجماتى تماما.

    غير أن روسيا ليست اللاعب الوحيد لا فى العالم ولا فى المنطقة. إضافة إلى مجموعات المصالح فى روسيا والتى تلعب لعبتها هى الأخرى. أى أن القمة الروسية – السعودية تأتى على خلفيات شائكة وتناقضات دولية وإقليمية غير مسبوقة، بعيدا عن الانطباعات و"جهود" وسائل الإعلام الروسية التى تعكس انفصالا كاملا عن الواقع. وربما يكون البيان الأول الذى أدلى به الكرملين فى 29 سبتمبر الماضى هو الأقرب إلى الواقع. إذ أعرب الكرملين عن أمله بأن تسمح زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز بتقارب موسكو والرياض.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49 الكمَّاشة الأمريكية التركية حول روسيا 2018-01-30 13:07:18 حوارات الطرشان فى سوريا 2018-01-23 14:12:34 المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة 2017-12-19 10:34:01 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية 2017-11-28 12:44:19 وفعلها بوتين 2017-11-21 11:30:53 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30
    للأعلى