وجهة نظر

ذكريات سبتمبر بين ناصر والسيسى

2017-09-30 19:23:26 |
  • أحمد سليم
  • الكاتب الصحفى أحمد سليم

    سبتمبر 64.. طابور الصباح فى مدرسة شبراقاص الابتدائية فى أول أيام الدراسة، أقف طالبًا لأول مرة فى بداية حياتى التعليمية كآلاف الطلبة فى المدارس الابتدائية بالقرية.

    يرتدى الطالب زيًا أطلقوا عليه "مريلة"، ويحمل حقيبة من نفس قماش الزى، وكانت حالة من السعادة والانبهار وتقلب النظر بين مدرس يحمل عصا صغيرة فى يده وآخر يحمل كتبًا.. وعلم الجمهورية العربية المتحدة يرتفع فى فناء المدرسة.. كانت هذه أول ذكرى لى مع شهر سبتمبر، الذى صمم دائمًا أن يكون له معى ذكريات عديدة.. وتمر السنوات ويأتى سبتمبر جديد وكسابقيه أعود من مدرستى محملًا بكتبى وكراساتى، وفجأة أسمع بكاء أعمامى وجدتى وصراخ الجيران، وأخرج إلى شوارع قريتى لأجد الكل يبكى.. النساء تصرخن والرجال فى حالة ذهول والشباب يصرخون: "مات عبد الناصر".. الذى كان بالنسبة لأبناء الستينيات القائد والأب والمعلم وكل شىء، لم نكن نعرف كيف مات ولكنه مات، كما مات جدى الذى كان يمثل لى أيضا نفس الهيبة والأقدام.

    وتعيش مصر كلها أحزان فراق عبد الناصر، الذى أسس الجمهورية لمصر.. موت عبد الناصر كان يعنى للأطفال فقدان الحماية، وربما أن يحتل اليهود مصر، وماذا سيحدث لنا بعد أن تركنا القائد.. وما بين الأمل الذى ولد لدى فى سبتمبر 64 اعترانى الألم والحزن فى سبتمبر 70.. خرجنا فى جنازات يشارك فيها كل طلاب القرية وشبابها.. نجوب شوارع القرية نحمل نعشًا ملفوفًا بالعلم وعليه صورة عبد الناصر.. كنا نبكى من قلوبنا فراق الزعيم..

    ويمر سبتمبر عامًا بعد عام، وأنتقل إلى مدرسة الأحمدية الثانوية بطنطا فى أوائل السبعينيات.. المدرسة الأكبر فى المحافظة وذات التاريخ فى المدينة، وكنا أيامها نرتدى زيًّا عسكريًّا.. بيادة وزى عسكرى كامل، وكان للمدرسة المدير الراحل فؤاد لاشين، وقائد عسكرى كان المقدم أحمد نشأت.. وكان سبتمبر الأول لنا بالمدرسة الثانوية.. انضباط وحضور وفرقة موسيقية نحاسية وأغانٍ حماسية.. كنا جيلًا شغوفًا بالسياسة ومتابعة الأخبار، وكانت حرب الاستنزاف قد توقفت وقيل لنا إن هناك حربًا ستشتعل يومًا.. وكنا لا نصدق، فقد مر عام الحسم ولم يحدث شىء وانتهت مظاهرات الطلبة التى كانت تنادى بالحرب بعشرات منهم فى السجن، وكنا نتابع قصائد "نجم" ومقالات تحمل الإحباط، ولكن كان سبتمبر 73 هو الشهر الذى يحمل الأمل، ففيه انتهى السادات وقادة القوات المصرية وكذا الأسد والقوات السورية من استكمال كل الاستعدادات للبدء فى حرب التحرير، كان شهر سبتمبر هو الحاضن لخطوات ما قبل النصر.. وفيه أيضا أعد الإخوان والجماعة الإسلامية خطة اغتيال الرئيس السادات، وكما حمل سبتمبر للسادات تخطيطه للحظات الانتصار حمل له أيضا التخطيط لاغتياله يوم نصره، ووسط أبنائه من القوات المسلحة..

    وتمر السنوات ويأتى سبتمبر جديد مختلف.. فى سبتمبر عام 1970 نجح عبد الناصر فى وقف سيل الدماء فى أيلول الأسود، وفى سبتمبر 2017 نجح السيسى فى لم الشمل الفلسطينى، ويأتى الفلسطينيون من كافة الفصائل إلى القاهرة، لتبدأ رحلة السلام بين الفلسطينيين من القاهرة التى صدّرت لها أغلب تلك الفصائل أحزانًا كثيرة، ولكن مصر دائما هى الأكبر، وهى التى ترتفع فوق تضحيات كثيرة، لتأخذ بيد الجميع إلى طريق السلام..

    يأتى سبتمبر أيضا يحمل للإخوان بعد أن خططوا فيه سابقًا لاغتيال السادات، يأتى هذا العام ليحمل أخبارًا سيئة ما بين وفاة مرشد وحكم بإعدام الآخر، ويسبق ذلك حكم على رئيسهم بالخيانة، ويأتى الشهر أيضا وقادتهم فى الخارج والدول المساندة لهم تحت حصار عربى ودولى، يأتى سبتمبر لهم هذا العام بعلامات النهاية لتنظيمهم..

    وكما كان النصر فى أكتوبر نتاج تجهيزات عديدة فى سبتمبر، فها هو سبتمبر الحالى يحمل للمصريين أيضا علامات نصر جديد، فجيشهم يصل إلى المرتبة العاشرة وبحريتهم تصل إلى المركز السادس عالميًا، والتعمير يصل إلى أماكن عديدة، وعاصمتهم الجديدة يُعلن عن انتهاء أول مناطقها، ويحتفل المصريون داخلها بأعياد أكتوبر.. وآلاف الأسر يتجهون إلى مساكنهم الجديدة، ويقف الطلبة فى مدارسهم بالأسمرات وغيط العنب وقرى عديدة يرتدون أزياء جديدة ويحملون تاب ولاب، وسوف يأتى سبتمبر جديد لتُعلن فيه نهاية العشوائيات فى مصر..

    يأتى سبتمبر وينتهى هذا العام، وقد استطاع الرئيس السيسى أن يصنع فيه ذكريات جديدة تمحو ذكرياته السيئة السابقة، فجمع شمل الفلسطينيين الذين دفع ناصر حياته ثمنًا لذلك.. واستعد لعبور اقتصادى جديد يستكمل به عبور السادات العسكرى وعالج فيه أخطاءً لمبارك، وأكمل مشروعات مهمة بدأها أيضًا..


    انتهى سبتمبر هذا العام بعد أن رسم السيسى فيه ملامح الأمل لمصرنا الجديدة.

    أحمد سليم
    للأعلى