وجهة نظر

عباءة الإخفاء!

2017-09-28 09:40:45 |
  • إيرينى ثابت
  • كل يوم أقول بصوت عال: يا ليتنى أمتلك عباءة الإخفاء لأختبئ من هذا العالم.. ولما سمعتنى ابنتى روت لى قصة عباءة الإخفاء فوجدتها فعلًا تناسبنى تمامًا..

    كان ثلاثة إخوة من السحرة يسيرون وقت الشفق فى الغابة وإذا بالموت متجسدًا فى هيئة إنسانية يقابلهم، ويكافئهم بثلاث جوائز على شجاعتهم فى مواجهته.. القصة كما تسوقها "ك. ج. رولينج" فى واحدة من سلسلة قصصها الأشهر "هارى بوتر" هى أن السحرة الشجعان وهم فى تلك الغابة مروا عند نهر الموت الذى لا يستطيع أحد أبدًا أن يعبره لأن الموت يأخذه.. فاستطاعوا بسحرهم القوى بناء جسر لعبور النهر.. ولما انهزم الموت، مؤقتا، منهم، تجسد لهم حتى ما يمكر بهم بطريقة أخرى ألا وهى الجوائز أو المكافآت التى يطلبها كل واحد منهم كما يريد..

    طلب الأخ الأكبر من الموت عصا سحرية تهزم بقوتها قوة أى عصا سحرية أخرى.. وبسرعة صنع له الموت من جذع الشجرة عند حافة النهر عصا لا تهزمها أى عصا أخرى، ويمتلكها الساحر الأقوى.. وطلب الأخ الثانى حجرًا يبعث الموتى للحياة مجددًا، فأخذ الموت حجرًا صغيرًا من قاع النهر وجعل له القدرة على البعث وأعطاه للأخ الأوسط.. أم الأخ الأصغر فقد طلب عباءة الإخفاء.. وكان أحكمهم وأكثرهم هدوءًا.. تردد الموت قليلًا قبل أن يجلب العباءة للأخ الأصغر.. وافترق الأخوة كل فى طريقه..

    أما الموت فقد كان عليه أن يتتبع كل منهم ليأخذ روحه التى نجت من النهر.. ولم يكن صعبًا أن ينفذ الموت واجبه مع الأخ الأكبر.. إذ أن هذا الأخ انتصر بقوة عصاه على غريمه الساحر وهزمه.. واحتفالًا بالنصر فقد وعيه من كثرة ما شرب وسكر وباح بسر عصاه التى لا تهزم، فجاء ساحر شرير وقتله وسرق عصاه، وبسهولة أخذ الموت روحه..

    واستخدم الأخ الثانى حجر البعث فى إحياء جسد حبيبته التى ماتت.. فخرجت كمسخ لا روح فيه، وكرهت حياة الأرض، ولم تعد كما كانت، وكما كان يحبها.. فشنق نفسه آملًا أن يجتمع بها فى عالم الموتى بدلًا من عالم الأحياء.. وقبض الموت روحه بيسر شديد..

    هكذا أمنيات البشر الطموحين للقوة وللحياة.. للشهرة والنجومية.. للنفوذ والسلطة.. لاستغلال الحياة بكل مناحيها وكسب مفاتنها ومباهجها.. والاستمتاع بكل متع وشهوات فيها.. والاشتراك فى سباقها المحموم والنصر على الآخرين والفوز بالأقوى والأجمل والأغلى والأثمن.. هؤلاء المتمسكون بالحياة والذين يريدون اعتلاء قممها والظهور كنجوم محلقة فيها هم الأقرب إلى فقدانها.. ليس بالضرورة فقدان الحياة بالموت، لكن بفقدان القوة أو الشباب أو المال أو الشهرة أو النفوذ... إلخ

    أما الأخ الثالث فقد اختار التوارى من الحياة وشرورها، ومباهجها، ومفاتنها، وسحرها.. عاش زاهدًا متواريًا مختبئًا تحت عباءته.. يؤثر فى الحياة ولا يتأثر بها.. يمارس أعماله ويبنى بعمله، أيًا كان: سحرًا أو صناعة أو علمًا، ما يرضيه وينميه ويعطى لحياته قيمة حقيقية دونما طبول وشهرة ودونما قمم وظهور.. بحث الموت كثيرًا عن الأخ الثالث ولم يجده.. وبعد مرور سنين عديدة شاخ الساحر الصغير وكانت له أسرة وأبناء نشأوا بفلسفته وآمنوا بنظرته الحكيمة للحياة.. فأعطى عباءة الإخفاء لأبنائه وأعلن للموت أنه أكمل رسالته.. تقول الرواية أنه "سار مع الموت كصديقين".. وكأن الموت لا سلطان له عليه!!

    يا ليت عباءة الإخفاء واقعًا.. ويا ليتهم يبيعونها فى المحلات.. ما أجمل الاختباء من الأعين.. لا لتتلصص على الناس.. ولا لتتدخل فيما لا يعنيك.. ولا لتهرب من الحياة ولا من الموت.. بل لتتوارى عن عيون الناقدين، والحاقدين، والكارهين، والمتحرشين، والفاضيين.. وتخلع عباءة الإخفاء لتظهر فقط للأصدقاء والمحبين..

    إيرينى ثابت
    للأعلى