وجهة نظر

دولة كردستان الجديدة بين العنترية والأمر الواقع

2017-09-26 09:06:39 |
  • د.أشرف الصباغ
  • أظهرت العديد من الدول فى الشرق والغرب دهشة غير مسبوقة من إصرار سكان إقليم كردستان العراق على إجراء الاستفتاء بشأن انفصالهم وإعلان دولتهم.

    وعلى الرغم من التهديد والتنديد والوعيد، أجرى الأكراد استفتاءهم، وسيبدأون مرحلة الانفصال التى تنهى أحداث قرن كامل أسفر عن ملايين الضحايا.

    دول كثيرة حذَّرَت وهددت وتوعدت، لكن الاستفتاء تم وظهرت نتائجه الإيجابية لصالح إعلان دولة مستقلة للكورد، وفى الحقيقة، لو كان مسعود برزانى قد شك بنسبة 1% فقط فى أن الدول التى أظهرت غضبها لن تنفذ أى تهديد أو وعيد، لما تم إجراء الاستفتاء، أى أن القيادات الكوردية كانت متأكدة تماما من أن الدول المعترضة لن تفعل أكثر من ذلك، ولن تذهب إلى أبعد من التصريحات العنترية الساخنة بإغلاق الحدود والبحار والمياه والكهرباء، وبالعقاب والمقاطعة وإغلاق المداخل والمخارج، والهجوم والتدخل فى حال ما إذا فعل الكورد هذا الأمر أو ذاك.

    كل التصريحات التى صدرت ضد حكومة كردستان العراق قبل الاستفتاء لم يكن لها، ولن يكون لها أى قيمة، لأن الكورد حصلوا على الضمانات الأساسية لإقامة دولتهم من نفس الدول التى انتقدتهم وهاجمتهم ونددت بهم، وفى أسوأ الأحوال، حصلوا عليها من الدول الكبرى التى تقوم بتوجيه الدول الصغرى فى مثل هذه الأمور.

    الحديث يدور حول تقسيم العراق منذ ما يقرب من 25 عاما، ومنذ 15 عاما تقريبا ظهرت الخطة الأمريكية "التى يعرفها الروس والإسرائيليون جيدا" بشأن تقسيم العراق وعدد من الدول الأخرى فى المنطقة، ومن ضمن ذلك طبعا، استقلال الكورد فى إطار عملية تقسيم العراق إلى 3 دول، تم إعلان هذا السيناريو، وتم تناوله بالبحث والتحليل، غير أن المهم هنا هو أن الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن الدولى، ومعها إسرائيل، تفكر بمنطق مختلف، بدون عواطف أو انبهار ودهشة وبكاء وعويل، هذه الدول تفكر فى كيفية الاستفادة من الوضع الناشئ والسيناريوهات المحتملة، وكيف ستستخدم الدولة الجديدة فى تسوية ملفات معينة وتصفية حسابات مع بعضها ومع الآخرين، وفى إعادة ترسيم المنطقة ككل.

    كون دول كثيرة، على رأسها خماسية مجلس الأمن، أقامت مناحات إعلامية وأدلت بتصريحات مطاطة وفضفاضة، فهذا لا يعنى أبدا أنها غاضبة من إقامة دولة كردستان، هذه "حركات" وإجراءات شكلية من أجل التاريخ، ومن أجل ترك الأبواب مواربة تحسبا لتطورات جديدة، فالتاريخ لم ينس بعد كيف أطلق الاتحاد السوفيتى السابق مبادرة إقامة دولة إسرائيل! وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا ضد المبادرة السوفيتية، وعندما ألح السوفييت أكثر من مرة، استجابت الدول الثلاث ومعها عشرات الدول الأخرى بعد أن حسب كل طرف مكاسبه وخسائره ودائرة مصالحه، والمدهش هنا أن بريطانيا أظهرت آنذاك نسيانا عجيبا بأنها هى التى أطلقت وعدها التاريخى بإنشاء دولة إسرائيل، وذلك من أجل استكمال اللعبة التاريخية ونظافة اليد وعدم التورط، وتم توظيف الاتحاد السوفيتى للقيام بهذا الدور المهم.

    إن إقامة الدولة الكوردية تمت على أساس أمر واقع، تم رسمه بدقة وحِدَّة ووجد دعما سريا وعلنيا من أطراف كثيرة، على رأسها الأطراف الكبرى الفاعلة فى السياسة الدولية والمحركة لها، هذا الأمر الواقع الذى تم تكريسه بسبب أخطاء حقيقية فى العراق قبل وأثناء وبعد صدام حسين، أسفر عن وقوع ملايين الضحايا وانهيار دولة العراق، وهذا ما يجرى بدرجات كبيرة مشابهة فى سوريا، أى سيكون هناك أمر واقع أيضا فى سوريا، وسيحدث ما يحدث الآن فى العراق، وستكون نفس الدول الكبرى ومعها إسرائيل مندهشة للغاية وستطلق تحذيرات وتنديدات وتهديدات، والمشكلة تكمن فى مسألة التماهى مع سيناريوهات الأطراف الأخرى بطرق مختلفة: إما معاداة هذه السيناريوهات، ومن ثم القيام بكل الأخطاء الممكنة لتحقيقها دون قصد، أو الاستخفاف بتلك السيناريوهات ونتائجها لدرجة الإسهام بقصد أو بدون قصد فى تحقيقها، أو الاستسهال وعدم إجراء حسابات دقيقة للمكسب والخسارة، ما يساهم أيضا ليس فقط فى تحقيق هذه السيناريوهات، بل وفى توسيع رقعتها وتطبيقها بدرجات مختلفة ومتفاوتة فى دول ومناطق أخرى.

    وفى حقيقة الأمر، فإن ليبيا أيضا أمام فخ التقسيم لشرق وغرب وجنوب، ومن الممكن أن نُنَظَّر ونقول كلاما من قبيل: "لا، إن الوضع الليبى مختلف عن الوضع العراقى والسورى.. إن التركيبة السكانية مختلفة.. إن العلاقات القبلية ستلعب دورا فى هذا الجانب أو ذلك.. إن المكونات الطائفية ستكون حصانة من هذه الكارثة أو تلك.. ليس من مصلحة أحد أن تنقسم ليبيا.. انقسام ليبيا سيفتح أبواب جهنم على الغرب والشرق وأوروبا واستراليا والهند والصين وبنجلاديش"، لكن للأسف، كل هذه الجمل والعبارات هى نفسها التى قيلت عن العراق، وتقال الآن عن سوريا وستقال عن ليبيا، إذا لم يتم التعامل مع هذا الملف بشكل ينقذ ليبيا من مصير العراق وسوريا.

    وفقا لكل المشاهدات العلنية، والتلميحات السرية دبلوماسيا وسياسيا، سيتم إقامة دولة كردستان، وستدخل دول المنطقة فى دوامة أخرى من الصراعات والمنافسات، وستكون دولة كردستان فاعلة فى المشهد العام، وستنشأ تحالفات جديدة وسيناريوهات مغايرة، وستظهر مصالح متناقضة وأخرى متوافقة للدول الكبرى ولإسرائيل ولبقية دول المنطقة، وستبدأ مساومات ومقاربات جديدة بشأن أكراد سوريا وتركيا وإيران، وربما تكون تركيا المعادية للغاية لدولة كردستان، هى إحدى الدول التى تساهم فى توسيع جغرافية هذه الدولة لتشمل جزء من سوريا، بينما تساهم الولايات المتحدة فى توسيع الجغرافيا من جهة إيران.

    كل الاحتمالات واردة فى ظل التناقضات الإقليمية والدولية، وفى الحقيقة، فالمسألة تقاس بشكل رصين وعقلانى، انطلاقا من قاعدة المصالح، وليس العواطف أو الخطب والتصريحات العنترية.

    أشرف الصباغ إقليم كردستان العراق استفتاء كردستان
    إقرأ أيضاً
    فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى