وجهة نظر

الحد الأدنى من الحياة!

2017-09-21 08:51:35 |
  • إيرينى ثابت
  • كتبت صديقتى الشابة الصغيرة الذكية الواعدة الأديبة الصيدلانية هذا البوست التحذيرى الذى دعته هى نفسها بـ"الكئيب".. هكذا كتبت نصًا:

    "تحذير.. هذا البوست لمن هم أكبر من 25 سنة.. كئيب وغير مناسب للمتفائلين محبى الصباح ومستخدمى كلمة صباح الخير..

    تحاصرنى مشاعرى السلبية من جميع الجهات.. غالبًا ما أهرب ولا يجدى هروبى، فالمشاعر طاغية جارفة.. لا تهادن ولا تقبل أنصاف الحلول.. أحاول تحليل ما أشعر به ويؤذينى كل هذا الأذى.. وجدت الكثير من التداخل والتضارب والتدافع.. فوضى حقيقية فى كل مكان.. يا له من وجدان متألم مضطرب!!

    يأتى الخوف فوق الجميع.. خوف طاغ من المستقبل.. خوف من عفاريت الماضى وأشباحه السخيفة.. خوف من فقدان كل ما هو عزيز وأنا شخص لا يقبل الفكرة كأى طفل فى الحضانة لا يطيق الابتعاد عن أمه لحظات ولا يستطيع فهم أنها قادمة اصطحابه ثانية.. رحلت، إذن فسترحل للأبد.. الفقدان!! دائمًا الفقدان.. كل فيلا أحبها ستهدم.. الشجرة الجميلة على الناصية سيغتالونها.. كل علاقة صافية كماء رقراق تتعكر.. كل شعور وهاج يخبو.. الموهبة! تتجمد ولا تعمل.. باختصار الموت يطارد الحياة بعنف شديد ودائمًا هو الرابح لسبب أجهله..

    الندم أيضًا موجود وتصحبه حيرة كريهة.. ماذا عن اختياراتى فى الحياة؟ أهى التى أفضت لكل هذه الكوارث أم لم يكن فى الإمكان أبدع مما كان؟ هل نحن حقًا بحاجة إلى آلة زمن لنبدأ من جديد بخبرتنا الحالية ونصلح أمورنا أم أن الخطأ وتحمله ضرورة.. اليوم المار للأسف لا يعود.. وما يكسر لا يمكن إصلاحه.. ماذا لو كنت؟! ماذا لو لم؟! أسئلة وأسئلة.. حيرة قاسية وشعور ممض بأن كل شىء قد ضاع ولا أمل..

    الملل هو اسم اللعبة حاليًا.. اللى بنبات فيه بنصبح فيه.. صارت الحياة مجرد بركة راكدة لا تضج بالأسماك ولا يقذف فيها حجر ما.. بركة مملة وغالبًا آسنة وانتهى الأمر.. أما من مخرج.. نهارات وليال.. نهارات وليال.. كل شىء يتكرر!!

    الإحباط رفيق الطريق.. فكل ما ترغبه صعب المنال.. وطاقتك توشك على النفاد.. هى دائمًا موشكة على النفاد.. فلا هى تنتهى فتريحنا، ولا هى تكفى لفعل شىء.. مضبوط أنت على الحد الأدنى من الحياة.. أنت لا زلت حيًا.. لكن أية حياة هذه؟

    هل من مخرج؟ هل تشرق الشمس ثانية؟ هل لا بد أن أنهى خاطرتى بتفاؤل ﻷقول إنه لا بد من شروق.. ولا بد من مخرج.. ولا بد من انبثاق للنصرة من رحم الألم.. لا بد أن تتحول لصورتك الأقوى والأفضل: كفراشة تجاهد الموت للخروج من شرنقتها.. لا أعلم ما أقوله حقًا.. فليرحمنا الله".

    آلمتنى كثيرًا خواطر صديقتى.. أولًا لأننى أعرف أنها حقيقية بالنسبة لها وهى تخريجات مشاعرها الصادقة.. وثانيًا لأن الخوف والندم والملل والإحباط هى مشاعر شابة جميلة مثلها وكثيرين آخرين من الشباب الذين أقابلهم كل يوم.. وثالثًا لأن الحل بسيط وفى متناول الجميع ولكن لا أحد يراه أو يريد أن يقتنع به.. بعد عدة أيام وجدت "بوست" آخر كتبته صديقة أخرى تقترب من أوساط العمر.. ولما سألتها عن مصدره قالت إنه من فيلم إيرانى.. وفيه الحل البسيط.. كتبت صديقتى الأخرى:

    "ذات يوم قررت الانتحار.. وضعت حبلًا فى سيارتى وانتظرت حتى الفجر.. انطلقت فى الظلام إلى أحد مزارع التوت القريبة وتوقفت قرب شجرة توت.. رميت حبل المشنقة على الشجرة لكنه لم يعلق بها.. حاولت أكثر من مرة لكنه لم يعلق.. فقررت أن أصعد إلى الشجرة وأربط الحبل على الغصن بنفسى.. وألقى بنفسى من فوق.. أثناء تسلقى أحسست بشىء ناعم تحت يدى لقد كان حبة توت!!

    أكلت حبة التوت تلك وكانت لذيذة جدًا.. أكلت حبة أخرى وأخرى.. أثناء ذلك شاهدت شروق الشمس على قمة الجبل الذى أمامى.. ثم مرّ مجموعة من تلاميذ المدارس.. طلبوا منى هز الشجرة ليسقط التوت وفعلت.. ثم جمعت منه للمنزل.. وقررت أن أعدل عن قرار الانتحار.. تخيل! لقد أنقذ حياتى فى ذلك اليوم حبّة توت!! فى هذه الحياة الأشياء البسيطة هى الأكثر أهمية على الإطلاق.. داخل التفاصيل تكمن الحياة!!".

    صديقتى الأولى تهتم بما فى داخلها وصديقتى الثانية كتبت عن إنسانة استطاعت أن تخرج من ذاتها لا لتقوم بتحليل الأشياء الكبيرة فى الحياة بل لتلاحظ التفاصيل البسيطة.. صديقتى الأولى لا تود أن تحدث من يقولون صباح الخير، وفى الفيلم شاهدت البطلة شروق الشمس لتعيد تقييم الحياة.. الحد الأدنى من الحياة هو ما نختاره لأنفسنا حين نبتعد عن الحياة ونتقوقع حول مشاعرنا الداخلية.. رفع درجة الوجود فى الحياة هو الخروج من الذات والإحساس بما ومن حولنا!!

    إيرينى ثابت
    للأعلى