وجهة نظر

سحب البساط من تحت أقدام روسيا فى سوريا

2017-09-19 11:25:54 |
  • د.أشرف الصباغ
  • فى ظل المعارك والصراعات العسكرية الإقليمية والدولية فى سوريا على مناطق محددة، على رأسها دير الزور وإدلب، بدأت الدول الغربية فى طرح خط جديد تمامًا على الأزمة السورية.

    وزير الخارجية الفرنسى، جان إيف لو دريان، دعا الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن الدولى (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا) لعقد اجتماع بعد يوم غد الخميس لإنشاء مجموعة اتصال حول تسوية الأزمة السورية، وقال "علينا أن نتخلص من الأساليب التى لم تساعدنا فى إيجاد حل منذ عام 2011، ولهذا نريد تشكيل مجموعة اتصال أساسها الدول الأعضاء فى مجلس الأمن والأطراف الإقليمية المتأثرة بالوضع، لإنهاء الصراع المستمر منذ سبعة أعوام"، وهذه الفكرة المهمة والخطيرة فى الحقيقة، هى فكرة طرحها الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون منذ فترة، ويبدو أن الولايات المتحدة وبريطانيا قامتا بدراستها جيدا، بينما تلتزم روسيا والصين الصمت مؤقتًا.

    الوزير الفرنسى يرى أن "الخطر الأكبر هو أن تحدد المواقف العسكرية مستقبل سوريا، وهو ما ستكون له عاقبتان، أولاهما انقسام الدولة، والثانية إعطاء فرصة لأشكال جديدة من التطرف لتحل محل تنظيم داعش"، وكانت السفيرة الفرنسية فى موسكو سيلفى بيرمان قد استبقت هذا التصريح بإعلانها أن روسيا وفرنسا وبريطانيا والصين والولايات المتحدة ستبحث فى نيويورك مبادرة باريس بشأن تشكيل مجموعة اتصال حول سوريا، مشيرة إلى أن باريس ترى أهمية وضرورة الانتقال إلى المرحلة السياسية لحل وتسوية النزاع فى سوريا، وأن لقاء الخميس فى مجلس الأمن سيناقش تكوين مجموعة الاتصال هذه وشكلها.

    من جهة أخرى، تتحدث الأوساط السياسية والدبلوماسية والإعلامية الروسية عن أن مصير بشار الأسد لم يعد من الأولويات، وتسعى لتكوين رأى عام (إعلامى بالدرجة الأولى) بصدد مصير بشار الأسد ولو عن طريق اجتزاء التصريحات أو تشويهها، ومع ذلك لا يزال مصير الأسد يشكل نقطة خلاف جذرية وجوهرية بين روسيا والولايات المتحدة وحلفاء كل منهما، بصرف النظر عن التصريحات الدبلوماسية والإعلانات الفضفاضة، فقد أعلنت مندوبة واشنطن فى الأمم المتحدة نيكى هايلى أن بلادها ستشارك بنشاط فى جهود التسوية فى سوريا، ولن تسمح بتعزيز دور إيران هناك، وتتوقع ألا يبقى بشار الأسد فى السلطة، وقالت إن "الولايات المتحدة ستشارك بقوة ونشاط فى حل الأزمة فى سوريا، ولن نكون سعداء حتى نرى سوريا قوية ومستقرة، وهذا يعنى أن الأسد لن يبقى فى منصبه"، كما رأت أن "إيران لن تتزعم هناك أو تلعب دورا رائدا فى هذا البلد".

    أما وزير الخارجية الفرنسى جان إيف لودريان فقد أعلن فى وقت سابق أن الأسد "لا يمكن أن يكون الحل فى سوريا"، مشددًا على أن المرحلة الانتقالية فى هذا البلد "لن تجرى معه"، وأكد لودريان ضرورة وضع جدول زمنى للانتقال السياسى، يتيح وضع دستور جديد وإجراء انتخابات، واتهم الأسد مجددا "بقتل قسم من شعبه".

    من جانبه، أعلن وزير الخارجية البريطانى بوريس جونسون أن بلاده والولايات المتحدة ودولا أخرى لن تدعم عملية إعادة تعمير سوريا، إلا بعد انتقال سياسى "بعيدًا عن الأسد"، وأعرب عن اعتقاده بأن "السبيل الوحيد للمضى قدما هو تحريك عملية سياسية، وأن نوضح للإيرانيين والروس ولنظام الأسد أننا نحن، المجموعة التى لها نفس الرأى، لن ندعم عملية إعادة تعمير سوريا قبل عملية سياسية، وهذا يعنى كما ينص القرار 2254 انتقال (سياسى) بعيدًا عن الأسد".

    هذه التصريحات تبدو واضحة ومحددة نسبيا بصرف النظر عن التفسيرات العوجاء وغير الدقيقة التى تقوم بها وسائل الإعلام الروسية. وهناك تصريحات كثيرة أخرى لبريطانيا وألمانيا، وأطراف كثيرة إقليمية ودولية تدور فى هذا الإطار، وبالتالى، لا دهشة، عندما تبذل روسيا كل ما بوسعها لتسييس ملف بشار الأسد، ويبدو أن الغرب لا يعارض تسييس هذا الملف، ولكنه يضع بعض الشروط لهذه العملية، وهى الشروط التى ستسفر، إن عاجلا أو آجلا، عن رحيل الأسد، وبالمناسبة، فروسيا لا تعارض ذلك أيضًا، ولكنها تريد أن تطمئن على مصالحها، وتستفيد من أى تنازلات من جانبها لتستخدمها فى ملفات أخرى عالقة مع الغرب، وبطبيعة الحال، تغطى موسكو على أهدافها الحقيقية بثلاثة شعارات: محاربة الإرهاب، والحفاظ على وحدة الأراضى السورية، وأن الشعب السورى هو الذى يقرر مصير الأسد.

    الأمر الآخر، هو أن الجولة السادسة من مشاورات أستانا انتهت ببيان مشترك للدول الثلاث الضامنة (روسيا وتركيا وإيران) حول تشكيل "مركز تنسيق ثلاثى"، وإعلان إدلب منطقة رابعة لخفض التوتر، ونشر مراقبين من الدول الضامنة حولها، والاتفاق على أن لقاء "أستانا" التالى سيكون فى نهاية شهر أكتوبر المقبل، وأن مناطق "خفض التوتر"، ستقام لمدة ستة أشهر مع احتمال التمديد، وقال المفاوض الروسى لافرنتييف إن المناطق التى سينتشر فيها المراقبون لم تتحدد بعد، بينما رأى خبراء روس وغربيون أن تفاصيل الخطة الروسية لم تتضح بعد، إذ لم تعلن الدول الثلاث عن أى وثائق من التى تم الاتفاق عليها بخلاف البيان المشترك.

    من الملاحظ أن جولة أستانا السادسة انتهت أيضا بخلافات شديدة بين الدول الضامنة، وبين روسيا والمعارضة السورية المسلحة، ولذلك أطلق المفاوض الروسى العديد من التهديدات والإنذارات للمعارضة، وطالبها أيضا بضرورة التخلى عن إقامة "الجيش الوطنى"، والانخراط مع قوات الأسد والقوات الروسية فى مكافحة الإرهاب، كما ظهر خلاف آخر بين روسيا ونظام الأسد من جهة، وبين روسيا وإيران من جهة أخرى، بشأن التواجد التركى فى سوريا ومشاركة قوات تركية فى عمليات المراقبة لمناطق ما يسمى بـ "خفض التوتر".

    إن روسيا مصممة على صيغة أستانا من جهة، ومواصلة عملياتها العسكرية من جهة أخرى، بصرف النظر عن أى اتفاقات مع المعارضة السورية، ما يعنى أن موسكو تجمع أكبر قدر من النقاط العسكرية من أجل تسييلها فى ما بعد إلى أوراق سياسية لا لتسوية الأزمة السورية فحسب، بل وأيضا من أجل تسوية ملفات أخرى، لكن خطورة المبادرة الفرنسية تكمن فى نقل الملف السورى إلى ساحة مجلس الأمن ودوله الخمس دائمة العضوية، ما يعنى أن ما ترى موسكو أنه انتصارات لها فى سوريا، سيتم اقتسامه وتوزيعه بين الدول الأخرى، سواء قبلت روسيا أو رفضت أو ساومت، كما سيتم تهميش صيغة أستانا ليس فقط لصالح صيغة جنيف، بل وأيضا لصالح الصيغة الجديدة التى سيستغرق الاتفاق عليها فى مجلس الأمن وقتًا لا بأس به، بينما المعارك مستمرة، وترسيم حدود المناطق فى سوريا وتحديد ولاءاتها يجريان على قدم وساق، والتحولات فى بنية وشكل تنظيم داعش أيضًا متواصلة.

    د.أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة 2017-12-19 10:34:01 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية 2017-11-28 12:44:19 وفعلها بوتين 2017-11-21 11:30:53 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30 الرسائل المهمة للعقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا 2017-10-31 11:00:39 سوريا ما بعد داعش! 2017-10-24 09:16:37 الصمت الروسى فى أستانا 2017-10-17 12:31:59 مناورات أردوغان التى لا تنتهى 2017-10-10 09:23:58 هل تصبح روسيا رمانة الميزان بين السعودية وإيران؟ 2017-10-03 14:23:13 دولة كردستان الجديدة بين العنترية والأمر الواقع 2017-09-26 09:06:39 من سيحسم أمر «برلين» السورية! 2017-09-12 09:42:24 إزاحة ترامب وانهيار أمريكا! 2017-09-05 13:19:33 لافروف على خطى أردوغان فى أزمة قطر 2017-08-29 08:46:03 جولة شكرى الأوروبية 2017-08-22 11:18:55 المشير حفتر بين روسيا والغرب 2017-08-15 08:19:08 العقوبات الأمريكية - الأوروبية ضد روسيا.. إلى أين؟! 2017-08-08 11:54:03 جوهر الصراع بين روسيا والولايات المتحدة 2017-08-01 19:39:16
    للأعلى