وجهة نظر

متى نستعيد عرش التلاوة؟

2017-09-16 09:53:21 |
  • أحمد سليم
  • أن تعيش من صباك فى قرية مصرية تحمل صفات مصرية خالصة فهذا من حسن حظك من أن تستيقظ يوميا مع آذان الفجر وابتهالات شيخ المسجد بصوته القوى الرائع من فوق مئذنة عالية وبدون ميكروفون ولا أجهزة تحسن درجه الصوت.

    يومك يبدأ فى هواء نقى تسمع أصوات نقية وتقابل أُناسا تحمل قلوبًا نقية، متعة رائعة لم يعشها سكان المدن، أن تستمع بإشراق الشمس صباحًا وغروبها مساءً، وإطلالة القمر هلالًا وبدرًا.

    حظك الحسن يجعلك من أبناء محافظة الغربية التى قدمت أهم وأجمل الأصوات تلاوةً للقرآن الكريم، وأيضا لأنها قدمت ابتهالات أو إنشادات لسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، واكتمالًا لكل ذلك تبدأ فى الاستماع لأصوات الشيخ الحصرى، والشيخ مصطفى إسماعيل، وابتهالات النقشبندى، ونصر الدين طوبار، ولِما لا وملوك التلاوة من قريتك أو قرية مجاورة.

    كان ذلك من حسن حظى أن أولد فى تلك المحافظة، وأن يكون الشيخ محمود خليل الحصرى الذى تحتفل مصر اليوم بذكرى ميلاده المئة من قرية أمى رحمها الله، فتسمح لى ظروف العائلة أن أراه وأسمعه مباشرة، ثم ارتبط بصوته وهو يتلو آيات القرآن الكريم فى مسجد القرية أو سرادق عزاء لأحد الأقارب.

    وكذا كانت علاقتى بالشيخ مصطفى اسماعيل فهو من قرية قريبة منا "ميت غزال" وكان حريصا على حضور عزاءات لكبار العائلة رغم شهرته الطاغية فى ذلك الوقت، أما النقشبندى قيثارة السماء الرائعة فشاءت الأقدار أن أتابعه أيضًا فى ساحة سيدى أحمد البدوى.

    هذه النشأة التى منَّ الله عليا بها أن أكون قريبًا ومستمعًا مباشرًا لكبار القراء، تدعونى لكى أنقل لكم صورة للقرية المصرية مساء كل يوم.، على كل مصطبة أمام المنازل وفوق حصيرة صغيرة وحول موقد خشبى للشاى يستمع كل أبناء القرية لكبار القراء، السبت عبد الباسط، الأحد الحصرى، والإثنين محمد رفعت، وهكذا مصطفى إسماعيل، المنشاوى، الطبلاوى، كانت النصف ساعه من الثامنة إلى الثامنة والنصف مساءً هى من أهم ساعات الفلاح المصرى وهو ينهى يومه الملئ بالعمل والجهد.

    ولم يكن القراء المصريون يهيمنون بحلاوة صوتهم بخشوع أداءهم فى مصر فقط، ورغم أننا لم نكن فى عصر السماوات المفتوحة إلا أن قرائنا كان صوتهم يشدوا بآيات الله فى أوروبا وأمريكا وإفريقيا وبالطبع فى الخليج وباكستان والهند، استمع إلى عبد الباسط فى باكستان والشام والحرم الشريف، وإلى مصطفى إسماعيل فى القدس، وإلى الحصرى فى رحلاته.

    ملايين المسلمين عرفوا مصر من صوت هؤلاء، وملايين المسلمين أتوا إلى مصر وراء أصوات هؤلاء، كان كل مقرئ مصرى من الكبار يزيد دوره عن دور وزارة إعلام بأكملها، وكانت أسطوانات النقشبندى تنافس أوبرا كاملة فى الدعاية لمصر، كنا نملك أركان سلطنة التلاوة الشريفة، تلاوة خاشعة قوية، وكانت موجات الإذاعة المصرية فى ساعات التلاوة هى هدف كل المسلمين فى العالم وبها أيضا جذبت ملايين المستمعين.

    بنينا هذا المجد بدون شركات دعاية وتسويق، بنيناه بالموهبة الحقيقية، هذه الدولة التى أنجبت هؤلاء الذين خرجوا من قُراها الطيبة تملك الآن مئات مثلهم، أعرف منهم الكثير واستمعت للكثير فالصبى الذى تربى على أصوات الكبار ظلت علاقته بالسماع والاستمتاع دائمة، لكن هذه الأصوات الرائعة الموجودة حاليا فى مواجهه آلة إعلامية خليجية قوية وتمويل وصل إلى امتلاك وتخصيص قنوات كاملة لقارئ واحد، ودارت الآلة الإعلامية المنافسة لتغلق أمام هؤلاء المبدعين الشباب من القراء أبواب المنافسة خارج مصر.

    ساعد فى ذلك تراجع لدور مؤسسة الأزهر الشريف، ووزارة الأوقاف فى تبنى الأصوات الجديدة واتجاه الإذاعة والتليفزيون لأشياء أخرى وسيطرة البرامج على أغلب أوقات إذاعة القرآن الكريم، وابتعاد المؤسسات عن رعاية القرآء وأسباب كثيرة تراجعت فيها مصر عن مقعد سلطنة التلاوة، وآن الآوان أن يعود عرش سلطنة التلاوة لمصر.

    آن الآوان أن نعيد لقارئ القرآن المصرى مكانة ومكانته، قراء القرآن المصريون الكبار كانوا أهم أذرع قوه مصر الناعمة التى آن الآوان لكى تعود كما كانت فنًا وثقافة ورياضة وقيادة.

    آن لمصر أن تعود الى مكانتها العربية والإفريقية والدولية، ولن يحدث ذلك إلا بأن نعيد اكتشاف قوتنا الناعمة والعمل على تنميتها ورعايتها، مصر ستعود وتقود يوم أن تعى أن قوتنا الناعمة هى الأهم، ويوم أن يعود عرش التلاوة لمصر ستعود تباعًا عروش الفن والثقافة والرياضة.

    كلمة أخيرة

    بعد أسابيع قليلة ستحتفل محافظة الغربية بعيدها القومى، وأرجو أن يفكر الصديق اللواء أحمد ضيف صقر، محافظ الغربية، فى الاحتفال برموز المحافظة وأبنائها من خريجى المعهد الأحمدى الأزهرى الذى قدم لنا الحصرى ومصطفى إسماعيل، والنقشبندى، وعشرات القرآ ء وأهم العلماء وعلى رأسهم الشيخ محمد متولى الشعراوى، هذه المؤسسة ذات التاريخ الأهم يجب أن نعيد لها مكانتها وأن نحتفل بها ونطورها ونقدمها كمؤسسة تعليمية نموذجية قدمت لمصر والعالم الإسلامى أهم العلماء وقارئ القرآن.

    أحمد سليم
    للأعلى