وجهة نظر

أيقونة الهلال

2017-09-12 14:51:40 |
  • محمود بسيونى
  • مر على صدور مجلة الهلال 125 عاماً لتصبح أقدم مطبوعة ثقافية تستمر فى الصدور بانتظام على مستوى مصر والعالم، ومن هنا تأتى أهميتها وأهمية دار الهلال التى أسسها جرجى زيدان عام 1892 فى القاهرة.

    كانت مصر حنونة على الشاب العصامى المثقف جرجى، فقد هرب إليها بعد اشتعال الفتنة فى بلده لبنان، وعلى أرضها تمكن من تأسيس مطبوعته الثقافية الرائدة، وتمرس فى كتابة الرواية مستلهماً تاريخ الحضارة الإسلامية رغم انه مسيحى، شرب من نيل التسامح الصافى، وقدم للعالم التاريخ الإسلامى بصيغة إنسانية وهو ما كان غائباً قبل عصر زيدان.

    رحل زيدان المفكر والأديب بجسده وبقيت الهلال تحمل مشعل التنوير الذى أضاءه لتخرج مصر من عصور الظلام إلى نور المعرفة والحداثة، استقبلت الهلال رياح الحرية، وأثرت الثقافة العربية وشاركت فى صياغة الفكر وأعطت للأدب والشعر والرسم منفذاً للوصول إلى الناس، صنعت مكانه للأديب والمثقف، فلا يوجد مبدع حقيقى لم يمر على الهلال، مشاركاً فى التحرير أو محتفيا به على صفحاتها، ومن هنا صنعت أهميتها العابرة للأجيال والأزمان.

    عاصرت التاريخ المصرى الحديث بل يمكن أن تصفها بديوان الحياة المصرية فى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

    تملك كنوز الفكر والأدب المصرى والعربى، ولم يكن الاحتفاء بها مقصورا على النخبة المثقفة بل شاركهم السياسيون والاقتصاديون أيضًا.

    تلك المطبوعة "الأيقونة" أبهرتنا فى عددها التذكارى بمناسبة صدورها قبل 125 عاما بكم هائل من الكتابات التراثية لكبار الكتاب والمبدعين مصاحبا لها صوراً رائعة وباهرة لمصر فى بدايات القرن الماضى لدرجة جعلتنى أتمنى أن تقوم وزارة التربية والتعليم بطباعتها وتوزيعها على طلبة المدارس، وتوزعها وزارة الشباب والرياضة على مراكز الشباب فى المحافظات لتنقل كل هذه الروعة والبهاء إلى الأجيال الجديدة ، أن تعطيهم فرصة التعرف على تاريخهم دون رتوش أو تشويه، والاطلاع على ذخيرة الخبرات الفنية والجمالية التى احتواها إبداع المثقفين المصريين والعرب عبر العصور.

    من أجل ذلك أعتقد أن تلك المطبوعة المهمة تحتاج نظرةً مختلفةً من الدولة فى سياق استعادة مصر لقوتها الناعمة، فهى أقدم المطبوعات الثقافية العربية وأكثرها تأثيرًا وعمقًا فى عقول المثقفين، ولذلك الاحتفاء بها ووضعها فى الصدارة أمر يهم كل مؤسسات الدولة فى ظل الحرب الثقافية الرهيبة الجارية فى العالم العربي ومحاولة دول تدعم الإرهاب مثل قطر أن تنتصر بقوة المال.

    ورغم أن الثقافة ضد التكفير إلا أن قطر اشترت الذمم وأصدرت المطبوعات الفاخرة واستكتبت الكتاب والمثقفين لتضمن أن يقفوا فى صفها، و كانت آخر هذه المحاولات دعوة دور النشر المصرية للمشاركة فى معرض قطر الدول للكتاب بخصم 50% على مصروفات مشاركتها من أجل كسر الحصار المفروض عليها، والذى روجت له العام الماضى باللاعب الإخوانى الهارب محمد أبو تريكة، الذى لم يُضبط متلبسًا فى أى وقت مهتمًا بالثقافة والكتاب أو حتى زار معرض القاهرة الدولى للكتاب قبل هروبه من مصر.

    قطر لا تفهم أن الثقافة هى نتاج تاريخ وحضارة، وليست سلعة يمكن للمال أن يشتريها، كما أنه لا يجب أن تقف مصر متفرجة وعلى أرضها تَصدر مطبوعات ثقافية "أيقونية" مثل مجلة الهلال، التى نفضت عن نفسها الغبار بعد تولى الزميل الصحفى الشاب الموهوب خالد ناجح.

    لدى الهلال تراث تنويرى قادر على مواجهة أفكار التكفير، وهى قادرة على حسم تلك المعارك لصالحها، لكن المطلوب منها وبإلحاح فى ظل نزيف المبدعين الكبار، هو مساعدة جيل جديد من المثقفين والمبدعين المصريين وتقديمهم للرأى العام المصرى والعربى، خصوصا هؤلاء المهمشين فى الأقاليم.

    مصر الجديدة تحتاج لنخبة شابة مُلمة ومتفاعلة مع المتغيرات الواقعة فى العالم. أتصور أن أجهزة الدولة منتبهة لحالة الصراع ومحاولات البعض الاستحواذ على دور مصر الثقافى، وأن معركتنا مع الإرهاب تحتاج تضافر الجهود بين المؤسسات الصحفية القومية وأجهزة الثقافة، ضمن تحرك موحد لاستعادة بريق الثقافة المصرية بعد سنوات من التجريف الذى لحق بشرائح متعددة فى المجتمع المصرى على يد الجماعات المتطرفة، نحلم بحاله إبداع عامه تتملك المصريين وتعيدهم للمسرح وصناعة الافلام وممارسة النحت والرسم، فالثقافة والتنوير هما الرصاصة النافذة لقلب وحش الإرهاب.

    محمود بسيونى
    إقرأ أيضاً
    تذكرة إلى جهنم 2018-04-18 17:44:13 روايات «علاء برايز» 2018-04-12 12:08:16 قراءة فى خطاب النصر 2018-04-03 12:56:33 عودة الاحتلال العثمانى 2018-03-21 19:00:47 مصر والسودان.. لنقتسم خبزنا معًا 2018-03-14 12:35:16 «بوصلة» الرئيس والأمير 2018-03-08 11:04:36 «استربتيز» ليليان داوود ورامى عصام  2018-03-01 17:32:09 سلاح التريليون دولار 2018-02-21 16:52:40 «بوتكس» أيمن نور 2018-02-14 13:38:47 إكرام «النخبة».. دفنها 2018-02-06 21:19:55 رئيس فى مهمة انتحارية 2018-01-31 17:50:14 لن نترك ثأركم 2018-01-24 16:09:13 حكاية إنقاذ وطن 2018-01-18 17:43:26 شكرا لتسريبات النيويورك تايمز   2018-01-08 18:37:19 الأيام الأخيرة لولاية الفقيه 2018-01-03 17:10:26 مصر 2018.. موعد مع الصعود 2017-12-28 13:12:21 هذا هو تاريخ أجدادك الأسود يا أردوغان 2017-12-21 17:22:29 مصر 2017.. إسدال الستار على «العبث» الديمقراطى 2017-12-18 20:22:58 أمان.. يا ضبعة 2017-12-12 17:15:44 أردوغان.. جزار سيناء 2017-12-05 19:10:08 قتلة المصلين.. لقطاء الصحوة والاستعمار 2017-11-27 21:13:12 حل أزمة الحريرى بتوقيع مصرى    2017-11-22 18:16:11 متى يعلنون وفاة جنرالات السوشيال ميديا؟ 2017-11-15 17:39:08 الصفعة 2017-11-01 12:06:35
    للأعلى