فضفضة

نصف امرأة

2017-09-13 10:10:33 |
  • فريدة دياب
  • فضفضة

    ‎مثل كل امرأة خلقها الله، كان حلمى أن أصبح ذات يوم أُمًّا. أحمل رضيعى بين يدى، أعانقه، أرضعه، أتأمل نظرات عينيه وهو ينادينى فى صمت، تدور بينى وبينه حوارات بدأت منذ أن كان جنينًا فى بطنى، ثم وليدًا بين ضلوعى، ثم نبتةً للبراءة تعانق وجدانى. 

    ‎فالأمومة تولد معنا وتظل ساكنةً أعماقنا إلى أن يخرج من الأرحام ما يحركها ويجعلها أُسلوب حياة، أما هذا الوليد الذى يأتى فهو ثمرة حب ومودة ورحمة بين رجل وامرأة، فأول ما تتمناه المرأة حين تحب من أعماقها بصدق أن يتجسد هذا الحب فى مولود يجمع بين ملامحنا وصفاتنا وخصالنا، فيكون ثمرة الحب الذى عشناه والتى ستبقى من بعدنا.

    هكذا خلقنا، وهذا ما تمنيته حين التقيت "خالد" فى الجامعة وأحببته ورسمنا بيتنا معا، وتخيلنا كيف سيكون كل ركن فيه، ألوانه، أركانه، تفاصيله، اللوحات على الجدران، حتى ملمس الفراش حين يحتوينا، ومذاق الطعام الذى نقتسمه، وتوقفنا عند غرفة المولود، فاخترت أن أتصور أنا وأرسم ملامحها، وسرحنا بخيالنا معا نتخيل الأسماء ونختار منها، وكتبنا قائمة لأسماء الأولاد وأخرى لأسماء البنات.

    استغرقت أنا وخالد فى حلم بيتنا، وحلم أولادنا وبناتنا وكيف سيكون المستقبل، كيف سنعيش حياتنا، ‎لم يمض عامان على تخرجنا إلا وقد تزوجنا فقد كانت لهفة الحب تسبقنا، وحلم البيت والأسرة والأولاد، ‎ومر عامنا الأول كنسائم الربيع، سعداء معًا، وكل من حولنا فرحون بما نحن فيه، يتمنون لنا السعادة، ولكن ظل شيء لم تبدُ ملامحه بعد: أن أحمل وتظهر على أعراض الحمل التى اعتدنا أن نجلس ونتصور حدوثها ونسخر منها أنا وخالد.

    وكعادة أى بنت، تلجأ إلى أمها فى مثل هذه الأمور، ذهبت لأمى لاستفسر منها عن أسباب عدم ظهور أى أعراض للحمل رغم العلاقة الطبيعية بينى وبين خالد، نصحتنى أمى أن أذهب إلى الطبيب لأستبين أسباب تأخر الحمل، لم يكن خالد يرى داعيًا لذلك، فنحن متزوجان منذ عام واحد فقط، وأنا صغيرة فى السن وعلاقتنا طبيعية، كان يرى أن تأخر الحمل قد يكون أمرًا طبيعيًا، وأنها أمور بيد الله قبل كل شيء .

    لكن الطبيب فاجأنى بالصدمة الكبرى بعد فحص وتدقيق وتحاليل: وهى أننى لا أستطيع الإنجاب، ويا لها من صدمة، فى طريق عودتى إلى البيت، ظلت دموعى تنهال فى صمت، هل يمكن ألا يأتى ذاك المولود الذى تتجسد فيه كل مشاعر الحب التى نعيشها أنا وخالد؟ هل يمكن أن أحرم من أن أعانق وليدى، أضعه على صدرى ، أتأمل عينيه، أداعبه، انتظر كلماته الأولى، هل حقًا قدرى أنى حرمت من أن أصبح أمًا؟

    عدت إلى بيتى، لأجد خالدًا جالسا فى انتظارى ليعرف نتيجة زيارتى مع أمى لطبيب النساء، لم أدرِ ماذا أقول له. ارتميت فى حضنه وانهرت فى البكاء، فأدرك خالد نتيجة الفحوصات والتحاليل، وراح يهدئ من رَوْعى ويقول لى إنه يحبنى بغض النظر عن أى شيءٍ وإنه يريدنى كما أنا وإن مسألة الإنجاب لا تعنى شيئًا بالنسبة له.

    ولكن مع مرور الأيام كنت أشعر بنظرة حزن فى عينيه، كان يبالغ فى محاولة إخفائها، وبدأت حالة من الفتور تنتاب علاقتنا، أصبح الصمت هو اللغة السائدة فى بيتنا، أما عن ردود فعل أسرته فقد تباينت، إلا أنهم جميعا كانوا ينظرون إليه بإشفاق وكأنى ارتكبت إثمًا فى حقه، وكأنى اخترت بإرادتى أن أحرمه من الإنجاب، وظل الأمر يتفاقم وإلحاح أسرته يتزايد بأنه من حقه أن يكون له طفل، وأن عدم قدرتى على الإنجاب مبرر قوى له لكى يتزوج مرة ثانية، وأن ذلك لا يمنعه من أن يحتفظ بى إن كان لا يزال يحبنى.

    وعلى الرغم من اقتناعى بأن الأبوة من حقه، لم أحتمل أن يؤلمنى القدر بأن يحرمنى من الإنجاب ثم يكمل الرجل الذى أحببته هذا الظلم بأن يعتبرنى فى حياته نصف امرأة، وبالفعل طلبت الطلاق، وعدت إلى بيت والدى، ولكن ظل هناك سؤال يحيرنى: هل لو كان خالد غير قادر على الإنجاب كنت سأتركه وأبحث عن رجل آخر؟

    عدت إلى بيت والدى وفِى أعماقى جرح لا يلتئم. شرخ فى جدار كبريائى. شعور بأنى امرأة ينقصها شيء رغم جمالى وجاذبيتى، بل وما يبدو على من أنوثة طاغية، لكنه القدر، بل إرادة الله، وقد ارتضيتها.

    اختزنت ألمى فى أعماقى ورحت أبحث عن شىء يجبرنى ويعوضنى عن فقد حبيب القلب وحلم العمر إلى أن وجدته، نعم وجدته، ففى زيارة لإحدى صديقاتى وجدتها مشغولة بترتيب بيت صغير للكلاب التى ولدتها كلبتها. كانت تعشقها وتحكى دائما عنها وكأنها صديقتها المفضلة، كانت دائمة المدح فى مواقفها وإخلاصها وكأنها إنسان يقف إلى جانبها ويشاركها حياتها.

    كنت فى كل مرةٍ أعود من زيارة صديقتى تراودنى فكره اقتناء كلب يستنفذ جزءًا من طاقتى ويؤنس وحدتى، يومها وجدت واحدًا من هه الكلاب يقترب منى، ينظر إلى وكأنه ينادينى ويطلب منى أن أداعبه، فحملته واحتضنته، ومن لحظتها لم يفارقنى.

    طلبت من صديقتى أن آخذه ليعيش معى فرحبت، حملته وذهبت به إلى البيت، وضعته معى فى سريرى، ظللت طوال الليل مستيقظة أنظر إليه، وفِى اليوم التالى ذهبت به إلى الطبيب البيطرى ليكشف عمّا به ويعطيه تطعيماته ويعطينى تعليمات تغذيته وحياته، ثم ذهبت إلى إحدى محلات بيع احتياجات الحيوانات واشتريت له سريرًا وطوقًا وألعابًا وكل مستلزماته.

    عدت به وفِى قلبى فرحة كأن كل شحنات العطاء التى كانت مختزنة فى أعماقى وجدت سبيلها لكى تتدفق. محور اهتمامى ووقتى، يؤنس وحدتى، نخرج سويا، نلهو، نتريض، يفهم نظره عينى. وعيناه تكاد تنطق حين يحتاج شيئًا منى.

    وكما اعتدت أن أقرأ عن كل شيء يهمنى، رحت أقرأ عن تربية الحيوانات وما تتعرض له من إهمال من المجتمع، فقررت أن أنضم لإحدى جمعيات الرفق بالحيوان. تحول الأمر عندى من مجرد إشباع أو ملء فراغ فى حياتى إلى رسالة إنسانيه تشبع روحى وعقلى.

    وفِى إحدى زياراتى للطبيب البيطرى لإجراء كشف دورى لكلبى الذى صار صديقى بل خليلى فى وحدتى، جلست إلى جوارى سيدة عجوز جاءت ومعها كلبها للكشف الدورى، وجلسنا نحكى عن علاقة كلتينا بكلبها والطرائف التى نتعرض لها.

    فى البداية ظننت أنها مثلى، لم تنجب فقررت تربية هذا الكلب ليشغل وقتها، وحين سألتها منذ متى وأنت تقتنين هذا الكلب، أجابتنى وهى متأثرة جدا: منذ أن رحلوا، فسألتها: من هم الذين رحلوا ، فحكت لى قصتها، لقد تزوجت ولكن توفى زوجها فى منتصف العمر وتركها وحيدة بابنة وابن وهبت لهما كل حياتها، إلى أن تخرّجا فى الجامعة، وقرر الولد الهجرة إلى أستراليا وتزوجت البنت من رجل أعمال أخذها هو الآخر وهاجر بها إلى أمريكا لتجد نفسها بعد كل هذا العمر تعيش بين أربعة جدران بمفردها لا تملك إلا ذكرياتها مع زوجها وأولادها الذين هاجروا وتركوها فى كبرها، فقررت اقتناء هذا الكائن الوفى المخلص لتأتنس به.

    سمعت قصتها بتأثر شديد، وأخذت كلبى فى يدى وعدت إلى بيتى أتريض معه، وأحدثه طوال الطريق بل أحدث نفسى. لا أحد منا يعرف قدره، أو يمكنه التنبؤ بما تحمله الأيام، فهل نقضى العمر فى ندم، نندب حظنا أو نبكى على ما فاتنا؟ إنه السؤال الذى ترتبط بإجابته سعادتنا فى الحياة، أن نرضى أو لا نرضى!

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع "فيسبوك" Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب.

    فضفضة فريدة دياب
    للأعلى