وجهة نظر

من سيحسم أمر «برلين» السورية!

2017-09-12 09:42:24 |
  • د.أشرف الصباغ
  • وقوع مدينة دير الزور السورية تحت نيران جميع الأطراف المتحاربة فى سوريا، والسباق المحموم لكل طرف من هذه الأطراف على الوصول إليها أولا، وإعلان ذلك، ورفع الأعلام، يعيد إلى الأذهان مشهد برلين فى ربيع عام 1945.

    فى ذلك العام، تصارعت دول الحلفاء وتسابقت على دخول مدينة برلين ورفع أعلامها والتقاط الصور، ليس بالضبط التذكارية، وإنما "الثبوتية" التى تؤكد شرعية حقوق تلك الدول المستقبلية، ليس فى برلين وحدها، وإنما فى ألمانيا، التى تم تقسيمها على هذا الأساس، وظلت منقسمة إلى أن تمكنت من الوحدة أثناء احتضار الاتحاد السوفيتى فى نهاية حقبة الثمانينيات من القرن العشرين.

    قوات بشار الأسد وروسيا أعلنتا انتصارهما فى دير الزور، حتى قبل أن تقترب قواتهما من ضواحى المدينة، وكانت على بعد أكثر من 30 كيلومترا، وسارعت قوات التحالف، أو بالأحرى القوات الأمريكية بإجراء 3 عمليات إنزال متتالية على حدود دير الزور وحولها، بينما يجرى الحديث عن وجود قوات خاصة أمريكية فى المدينة منذ فترة طويلة، إضافة إلى العلاقات بين الولايات المتحدة وبين الأكراد والعشائر العربية فى هذه المدينة، بل والمنطقة الشرقية بكاملها.

    البعض يرى أن هذه نقطة ضعف، ومن الممكن أن ينقلب الأكراد والعشائر ضد الولايات المتحدة، ومن الممكن أن تبدأ إيران وتركيا بإفساد الخطط الأمريكية بشكل عام، وبشأن الأكراد على وجه الخصوص، وهو التناقض الذى يمكن أن تستخدمه روسيا فى مرحلة معينة من الصراع ضد الولايات المتحدة.

    من جهة أخرى، تبدو ورقة الأكراد ليس بهذه الخطورة، لأن هناك توافقا أمريكيا – روسيا على أمرين مهمين: الأول، هو الحفاظ على أمن إسرائيل، والثانى، هو استمرار العلاقات مع الأكراد ودعمهم إلى حدود معينة لا تجعلهم قادرين على إقامة دولة، ولا تعمل على إبادتهم، بمعنى أن قيام موسكو أو واشنطن بانتهاك مثل هذا الاتفاق الضمنى، أو حدود اللعب بورقة الأكراد، يتوقف على ظروف وشروط معينة مرتبطة بوجود بشار الأسد ومدى سطوته، وبالوجود الإيراني، وبالنفوذ الروسى نفسه، وهو ما ينطبق أيضا على تعامل الولايات المتحدة مع نفس تلك الحدود، وفى حال تمرد الأكراد على أى منهما أو كليهما، يمكن أن تتركهم موسكو وواشنطن لتركيا وإيران لتتفاهما معهم، وبالتالي، فمن الصعب أن يشكل الأكراد والعشائر خطرا على الولايات المتحدة على الأقل فى المدى القريب والمتوسط.

    لا أحد يعرف طبيعة وسياق تطور الأحداث فى الفترة المقبلة، لأنه ببساطة يمكن أن تضحى موسكو وواشنطن فى مرحلة ما بالورقة الكردية، أو تستخدمها كل منهما فى ملفات أخرى، سواء ضمن الأزمة السورية أو ضمن أزمات أخرى ستندلع فى العراق وإيران وتركيا، بمجرد حدوث حلحلة فى الأزمة السورية.

    المسألة الآن مرتبطة، فى الوقت الراهن بكيفية استفادة كل من موسكو وواشنطن من المكاسب والتقدم العسكرى لحلفائهما على الأرض، وبكيفية "تسييل" هذه المكاسب إلى أوراق سياسية بشكل عام، أو فى أستانا أو جنيف على وجه الخصوص.

    الأمر الآخر المهم، الذى تفهمه روسيا جيدا، هو أن هناك انحسارا إعلاميا عن المعارضة السورية (السياسية والمسلحة)، وشكلا من أشكال تراجع العديد من الأطراف عن دعمها، ومن الواضح أن المعارضة السورية بشقيها تمر بمرحلة عصيبة، ربما بسبب تغير سيناريوهات الأطراف التى كانت تدعمها، وربما بسبب خلافات داخلية ظهرت تحديدا بعد الجولة الثانية أو الثالثة من مشاورات أستانا، الأمر الذى يوضح مدى الارتباك الحقيقى فى صفوف تلك المعارضة (أو المعارَضَات)، ولكن من الواضح أيضا أن هناك سيناريوهات أمريكية مستقبلية قد تشكل مفاجأة للجميع، وكل ما هنالك أن واشنطن تريد تفادى ما حدث فى أفغانستان عندما أدارت لها المعارضة (التى كانت مدعومة منها) ظهرها وبدأت بإشعال الحرب ضدها، أى ببساطة، تريد واشنطن إحكام قبضتها على المعارضة السورية تمهيدا لسيناريوهات أخرى، من ضمنها "التسوية السياسية" وفق الرؤية الأمريكية لا الروسية.

    من المتوقع أن تبدأ روسيا بإجراءات مع الأسد وإيران ستكون مشابهة إلى حد ما لإجراءات الولايات المتحدة مع المعارضة السورية، ولكن ذلك لن يحدث إلا مع معركة إدلب وبعض المناطق فى الشمال والشمال الغربى، لأن نظام الأسد يمكن أن يتمرد بدرجات محسوبة ضد أى خطوات روسية تجاه تسويات معينة مع الولايات المتحدة، ولن يكون هذا التمرد بعيدا عن دعم إيران للأسد، واستخدام الأخير التناقضات بين روسيا وتركيا من جهة، وبين الأخيرة والولايات المتحدة من جهة أخرى.

    لقد أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من التحالف الدولى عن دخولها المنطقة الصناعية، على بعد 7كلم شرق دير الزور، على الجانب الشرقى لنهر الفرات، بينما أعلنت قوات الأسد عن سيطرتها على مطار دير الزور، وستكون هناك إعلانات ومكاسب وانتصارات وحملات إعلامية غير مسبوقة، قبيل انعقاد جولة "أستانا" الجديدة فى كازاخستان.

    من المتوقع أن تكون معركة دير الزور بداية تحولات جذرية فى الأزمة السورية، وستعتمد بالدرجة الأولى على قدرة الأطراف الكبرى على تسييل المكاسب، فالروس والأسد يحاولان قدر الإمكان تثبيت أقدامهما فى دير الزور، وموسكو تحاول تحقيق انتصارات ولو حتى على المستوى الإعلامى والبروباجندا، ومن جهة أخرى تطرح روسيا أفكارا وتنفذها بصرف النظر عن موافقة الأمريكيين، ولكن الأمريكان من جانبهم يقومون بعمليات إنزال فى أماكن محددة، وقواتهم الخاصة موجودة فى شرق سوريا، وفى اللاذقية أيضا (وهو الأمر الذى لا يتحدث عنه أحد إلى الآن)، ما يعنى أن الولايات المتحدة تسبق روسيا بخطوة أو بخطوتين، وفى الوقت نفسه تعمل على إنهاك روسيا على أكثر من محور، سواء فى أوكرانيا أو فى دول البلطيق أو فى أوروبا الشرقية، أو فى سوريا نفسها.

    العديد من التقارير والخبراء ووسائل الإعلام يتحدث عن أهمية دير الزور الاستراتيجية، وأهميتها من حيث بنية الطاقة والنفط، وكذلك من حيث إنها ستكون ضمن المنطقة الشرقية التى تفصل إيران عن أهدافها فى غرب سوريا وفى لبنان، ولكن تلك الأهمية مجرد حلقة بسيطة فى المشهد العام لمعركة دير الزور نفسها، وللسيناريو العام فى سوريا على الأقل حتى نهاية العام الحالى.

    إن تثبيت الأقدام وتقسيم النفوذ فى دير الزور، سيكون مقدمة لطرح مقاربات سياسية، لأننا ببساطة أمام "تفاهمات ضمنية" روسية أمريكية لا ترقى إلى مستوى التنسيق أو الاتفاق، ولكنها مقاربات مبنية بالدرجة الأولى على فهم كل من الطرفين لطبيعة الأزمة السورية، وطبيعة الجغرافيا والتاريخ والتركيبة السكانية، وتنطلق أيضا من استقراء كل منهما الواقع والنوايا بشكل جيد، لا تفاهمات أو اتفاقات بين روسيا والولايات المتحدة على تقسيم سوريا، وإنما طبيعة مسار الأحداث وتطوراتها تقود إلى ذلك بدرجات وبطرق مختلفة.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49 الكمَّاشة الأمريكية التركية حول روسيا 2018-01-30 13:07:18 حوارات الطرشان فى سوريا 2018-01-23 14:12:34 المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة 2017-12-19 10:34:01 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية 2017-11-28 12:44:19 وفعلها بوتين 2017-11-21 11:30:53 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30
    للأعلى