وجهة نظر

ساعة فى قرب الحفيد

2017-09-09 09:53:23 |
  • أحمد سليم
  • كعادته دخل الحفيد إلى غرفة الجد ليقفز إلى جواره.. ترك الجد جريدته المفضلة وفنجان قهوته وتفرغ للحديث مع حفيده صاحب السنوات الثلاث.

    وكالعادة يوميا لم يكن من المسموح للعمات أو الأبناء بدخول حجرة الجد صاحب الهيبة فى قريته وجوارها، ولما لا فهو كبير هذه الناحية، ولأن الجد كان قد عانى تبعات ثورة يوليو وأيضا من تبعات السن، فقد كانت سعادته شبه الوحيدة هى الوقت الذى يقضية مع حفيده..

    وكان الحفيد يدرك بحسه الطفولى أنه مدلل لديه فكان يقضى أيضا وقته الأغلب مع جده.. وظلت صورة العلاقة بين الجد وحفيده محفورة داخل ذاكرة الحفيد الذى كبر وأصبح أبا ليرى مدى لهفة أبيه على رؤية الحفيد أيضا، ويتذكر بصورة أكثر وبدقة مدى السعادة التى ارتسمت على وجه الجد عندما احتضن حفيده صاحب الأربعين يوما..

    لحظات دفعته إلى السؤال الدائم لماذا يحب الجد الحفيد وهل هناك علاقة بين المثل الشائع أعز الوِلد وِلد الوِلد، كما كان الجميع يؤكدون ذلك .. مر العمر بالحفيد ابن الستينيات ليصبح أبا ثم تأتى اللحظة التى كان يحلم بها ويعرف حقيقة الشعور الذى يحسه الجد تجاه حفيده وقدرة الحفيد الدائمة على النفاذ إلى قلب الجد..

    منذ عامين كان يجلس مع وحيدته يداعبها وهى تتحامل على نفسها فى حركتها أثناء الأسابيع الأخيرة من حملها.. كانت أحلامه أن يرى حفيدا له ربما يحمل بعض ملامحه وربما لا.. ربما يحبه وربما لا .. ربما وربما كلها كانت أسئلة تدور فى ذهن الجد الجديد وهو يتذكر صورة جده الصارمة التى تنهار أمام مداعبات الحفيد الشقى.. ويتذكر صورة والده وهو ينتظر أمام باب السيارة التى تقل الحفيد كى يكون فى استقباله.. هل كانا يحسان بما يحسه الآن ومدى لهفته على رؤية الحفيد.. كان من المتوقع أن يصل حفيده بعد أسابيع من ليلته هذه ولكن فجأة وفى ساعات الليل الأخيرة تصرخ الابنة من الألم.. تجرى الأم والأشقاء إلى المستشفى القريب تخبره الطبيبة أن هناك ولادة مبكرة.. لم يستوعب الحدث ظل يسأل الطبيبة وهى قريبة له أسئلة غريبة ومتتالية، لكنها تركته بقلقه لتذهب إلى غرفة العمليات ليستمر فى قلقه حتى أخبرته بوصول حفيدة ثم حفيد..

    حتى هذه اللحظة كان قلقه على وحيدته هو الأكثر ولكنه وبعد أن رأى حفيديه فى حضانة المستشفى نسى كل شئ وتحولت حياته إلى ملامح أخرى ليسارع كل لحظة إلى رؤيتهما، يهتم بتفاصيل عديدة حتى خرجا إلى المنزل .. بعدها بأسابيع ومع بداية مداعبة منهما توجا الاثنان ملكان على قلبه.. تضاءلت كل قصص الحب فى قلبه وتحولت إلى نقاط صغيرة فى الذاكرة.. استطاع الحفيدان تحويل السيطرة على حياته.. أصبح يقيس طولهما كل يوم .. يهتم جدا بظهور سنة جديدة لأحدهما.. يراقب وزنهما .. استجابتهما للحركة .. يكاد يتحسس أنفاسهما فى النوم خشية عليهما بدأ يدرك معنى المثل القديم.. ويدرك بالفعل أن علاقة الجد بالحفيد علاقة مختلفة لا تصمد أمامها أى علاقة أخرى .. لا موعد عمل ولا موعد غرام ولا موعد راحة يمكن أن يغير موعد لقاء الأحفاد..

    يوم بعد يوم تتوثق العلاقة بين الجد وحفيديه.. أصبح الآن له صديقة وصديق جدد يستطيع أن يمارس معهما كل الهوايات التى حرم منها أن يصرخ ويتقافز ويلعب ويقلد الأصوات ويرسم شخابيط .. يشاهد قنوات الأطفال ويستمع إلى أغانيهم ويحفظها.. يجمع مجلات الأطفال ليحتفظ لهما بها..

    ساعة بقرب الحفيد أصبحت هى أجمل ساعات العمر.. تراجعت أهمية الجميع وتضاءلت كل لحظات السعادة أمام لمسات الحفيدة وهى تناديه همسا فى الصباح الباكر .. بابا .. ليستيقظ على أحلى عيون رآها وأحن لمسة أحسها.. سعادة تقف أمامها حامدا شاكرا ما استطعت.. ساعة بقرب الحفيد ما أجملها وأنت تحكى لهما قصة وهما يستمعان أنت تحكى أشياء غير مرتبة وهما ينصتان ويوحيان لك بفهم ما تقول ..أصبحت لكم لغة مشتركة تتعلمها فى لحظات المناقشة معهما..

    ويكبر الحفيدان .. عامان من العمر .. غيرا فيها الحياة وأكسباها طعما جديدا.. فلكل من أعطاه الله نعمة الأحفاد اشكر الله واقترب منهما فهم لحظات السعادة الأخيرة فى حياة الأجداد.. وإذا كانت الحياة فى البداية لم تعطك فرصة للاقتراب من أولادك فها هى الدنيا تمنحك فرصة أخرى للحياة مع الأحفاد..

    شكرا لله .. وحبا يزداد يوما بعد يوم لسيلين وسيف اللذين أعطيانى امتدادا لحياة جديدة ومعا نحتفل بعيد ميلاد جديد لهما.. هيا فقد حانت ساعة بقرب الحفيد.

    أحمد سليم
    للأعلى