وجهة نظر

إزاحة ترامب وانهيار أمريكا!

2017-09-05 13:19:33 |
  • د.أشرف الصباغ
  • تعلو تدريجيًا نغمة انهيار الولايات المتحدة على خلفية نغمات فرعية أخرى مثل إزاحة دونالد ترامب عن السلطة، وبداية نشوب حرب عالمية ثالثة، ومواجهة جبارة بين بكين وواشنطن.

    عناوين مرعبة وتحليلات أقرب إلى "الشطط والشطحات والتجليات الكابوسية" تسيطر على عناوين وسائل الإعلام، وعلى ألسنة "الخبراء الاستراتيجيين"، بينما الأمور تسير بنفس وتيرتها المتوترة دون الانعطاف أو الانحراف نحو تلك السيناريوهات المرعبة.

    وسائل الإعلام الروسية، والمحللون والخبراء "الاستراتيجيون" الروس غارقون فى انهيار أمريكا، ورحيل ترامب عن السلطة، وكأنهم يتعاملون مع إحدى دول الموز.

    ما يذكِّرنا جيدًا بالأزمة المالية والاقتصادية فى الولايات المتحدة فى ثلاثينيات القرن العشرين، وما قاله منظرو الاتحاد السوفيتى وخبراؤه ووسائل إعلامه من انهيار ليس فقط الولايات المتحدة، وإنما انهيار المنظومة الرأسمالية. وبعد ما يقرب من 60 - 65 عامًا، انهار الاتحاد السوفيتى نفسه ومعه حلف وارسو، ونجحت الرأسمالية العالمية بدرجات غير قليلة فى تجديد نفسها وارتداء أقنعة أخرى، لدرجة أنها اجتذبت روسيا والصين إلى المعسكر الرأسمالى العام، والصراعات وفق قوانينه وأهدافه.

    اليوم خرج جوليان أسانج، مؤسس موقع "ويكيليكس"، ليعلن هو الآخر على طريقة وسائل الإعلام الصفراء أنه ينتظر رد فعل الصين على الإجراءات الأمريكية ضد الدول التى تتعاون مع كوريا الشمالية، وكأنه يفترض مُسبقًا أن واشنطن ستفرض عقوبات على بكين، على الرغم من أنه، هو والمنظرون والخبراء الروس يعرفون جيدًا أن حجم التبادل التجارى بين الصين والولايات المتحدة حوالى 4 - 5 أضعاف حجم التبادل التجارى بين روسيا والصين.

    وربما يرفع أسانج السقف، مثل وسائل الإعلام المنفصلة عن الواقع، ليمنح نفسه فرصة للمناورة والتأكيد على أن واشنطن تلاشت رعبًا أمام مخاوفها من بكين فتراجعت عن فرض عقوبات عليها، مع أن الولايات المتحدة لم تعلن أصلًا عن فرض أية عقوبات على الصين.

    أما الحرب العالمية الثالثة، فالخبراء "الاستراتيجيون" يفضلون "الطنطنة" بها، ورفع سقفها إلى درجة تخويف مليارات البشر على الكرة الأرضية، بينما هناك حرب عالمية حقيقية دائرة بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا، من أجل تقسيم الكعكة الرأسمالية وتوزيع مناطق النفوذ.

    الحرب العالمية الدائرة حاليًا، هى عبارة عن مجموعة حروب ومواجهات وصراعات عسكرية - أمنية واقتصادية فى أماكن مختلفة بين روسيا والولايات المتحدة بالدرجة الأولى ليس من أجل أيديولوجيا أو خلافات مبدئية على رفاهية وسعادة الإنسانية، بقدر ما هى صراعات وحروب على فرض النفوذ وتحقيق أكبر عائدات مالية.

    أما إزاحة ترامب عن السلطة، فوسائل الإعلام الروسية، تتحدث عنها وكأنها أمر واقع، وفى الوقت نفسه تقيم الأفراح والليالى الملاح لأن الولايات المتحدة ستشترى مزيدًا من محركات الصواريخ من روسيا، على الرغم من أن واشنطن لم تعلن عن ذلك لسبب بسيط للغاية، ألا وهو أنها بصدد فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية والمعلوماتية والتقنية على روسيا، وذلك إلى جانب حرب البعثات والمبانى الدبلوماسية المشتعلة بين الطرفين، والتى تمهد للمزيد من عزلة روسيا، أو فى أحسن الأحوال حصارها مع عدد من الدول والتنظيمات مثل إيران، وكوريا الشمالية، وحزب الله، ومنغوليا، وحماس وبشار الأسد، وربما تلحق بهم قطر.

    هذا الكلام لا يفترض الإعجاب بترامب أو بالنموذج السياسى الأمريكى، بقدر ما يدعو إلى توخى الدقة فى تناول المعلومات وتحليلها وتربيطها، لأن هذا يعتبر أحد أهم الأسباب فى إثارة الفوضى الإعلامية والمعلوماتية من جهة، وأحد أسباب الفشل الإعلامى والسياسى، وتضليل مراكز القرار من جهة أخرى، والتعامل مع الأحلام والرغبات باعتبارها واقع وحقيقة وما ينبغى أن يكون بصرف النظر عن ما يجرى عمليًا على أرض الواقع وفى الحقيقة.

    لقد أعلنت الصين قبيل انعقاد قمة "بريكس" أن هذه المجموعة المكونة من روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، ليست تكتلا اقتصاديًا، وهو ما يعنى بدوره أنها ليست تكتلًا عسكريًا.. هذه العبارة المهمة توضح جيدًا أن بكين تدرك المصائد و"الأفخاخ" التى تُنْصَب لها.

    ولكن فى المقابل، استغل الرئيس الروسى فلاديمير بوتين هذه القمة تحديدًا ليدلى بأكبر قدر من التصريحات السياسية حول جميع مشاكل وأزمات روسيا الخارجية، وعلى رأسها العلاقات المعقدة بين موسكو وواشنطن.

    وهو ما اعتبره خبراء كثيرون محاولات لتوريط الصين فى مواجهات مع الولايات المتحدة، وهو ما يمكن أن يترتب عليه خسائر فادحة للصين ليس فقط فيما يتعلق بنشاطاتها الاقتصادية الجبارة مع الولايات المتحدة، بل ومع أصدقائها فى الشرق والغرب وفى الشرق الأوسط أيضًا، وخسارة كثير من الأسواق والحلفاء.

    د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49 الكمَّاشة الأمريكية التركية حول روسيا 2018-01-30 13:07:18 حوارات الطرشان فى سوريا 2018-01-23 14:12:34 المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة 2017-12-19 10:34:01 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية 2017-11-28 12:44:19 وفعلها بوتين 2017-11-21 11:30:53 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30
    للأعلى