وجهة نظر

إعلام غرفة الصدى

2017-08-31 08:23:27 |
  • إيرينى ثابت
  • قبل عصر الإنترنت كانت الأنظمة السياسية تقوم بتوجيه إرادة الشعوب عن طريق الميديا.. وكان أشهر الخبراء فى هذا الأمر هم القائمون على الأنظمة الاشتراكية والشيوعية.

    وكما كانت الميديا سببًا كبيرًا فى نجاح وامتداد الأنظمة الاشتراكية فى العالم، كانت إحدى أدوات هزيمة تلك الأنظمة هو فتح مجال الميديا، وبالأكثر عندما ظهر الإنترنت حتى لا تتحكم الأنظمة فى الإعلام.. بل لقد صار كل مواطن صحفيًا وإعلاميًا وكاتبًا ومصورًا وصانع أفلام.. ودارت الدائرة وبدلًا من أن يقوم النظام بتوجيه إرادة الشعب، صار يلهث ليقرأ إرادة الشعب.. بل قل إرادة الأفراد!

    كانت إحدى الطرق الشهيرة لصناع الإعلام المحترفين هى صنع ما يسمى "Echo - chamber" أو غرفة الصدى.. وهو اسم استعارى وكناية عن تضخيم حدث أو معلومة أو فكرة أو معتقد وتسليط الضوء عليه وإظهاره للعامة حتى ما تتوجه نحوه.. وهو ما تصنعه الإعلانات غالبا حتى الآن.. فأنت ترى الإعلان مائة مرة فى الساعة، على جميع القنوات، وبألوان مبهرة، وكلمات شديدة الثقة والتأثير فتجرى لتشترى المنتج؛ أو هكذا يظن صناع الإعلان.

    ولطالما تم استخدام غرفة الصدى فى تاريخ الأمم وحاضرها ونجحت كثيرا جدا عندما تمت صناعتها بحرفية وذكاء وباستخدام عنصر بشرى كاريزمى يساعد فى نجاحها.. فإذا أضفت لغرفة الصدى صوت قادة الرأى، والوجوه التى تثق الشعوب فى إخلاصها وحماسها واستقامة فكرها، تيسرت مهمة غرفة الصدى وسارت الشعوب فى طريق متحد.. وغالبًا ما كان ينتج عن نجاح غرفة الصدى أن يبدو المعارضين فى حجم أقل حتى وإن كان لرأيهم وجاهته.

    كان هذا فى الماضى القريب.. أما الحاضر المختلف تماما ففيه مئات الألوف من غرف الصدى على الإنترنت.. كل شخص يستطيع دونما أدنى تكلفة أن يصنع غرفة صدى بصور حقيقية أو مزيفة، ومقاطع فيديو كاملة أو مبتورة، وبكلمات صادقة أو مأجورة، وباستنتاجات ذكية أو غبية.. وفى كل الحالات ستجد من يصدق غرفة الصدى التى أنشأتها ويتبعون آراءك البناءة أو الهدامة.. كما ستجد من يهاجمك أيضا فى الحالتين.

    العجيب أن الإعلام الاحترافى لم يعد يختلف كثيرا عن صناع الميديا الهواة على شبكات التواصل الاجتماعى.. والسؤال هو: هل خفتت أصوات الميديا القديمة لأن الانترنت هزمها، أم لأن صناعها فقدوا استقامة الطريق والمهنية ووضوح الرؤية وسيطر عليهم اتجاه ريح الأموال والتمويل؟ هل صار قادة الفكر المشهورين من أمثال الإعلاميين والكتّاب ونجوم التوك شو أقل تأثيرا على الناس وبخاصة الشباب، لذا صارت غرف الصدى الذين يظهرون فيها بلا صوت ولا صدى؟ وهل أصبح الشباب العاديون الذين لهم قنوات على اليوتيوب وينتقدون الأحوال اليومية أكثر نجومية ولفتا للنظر وقربا لواقع المجتمع، فأصبحت غرف الصدى التى يصنعونها أعلى صوتا وأكبر صدى؟

    الأهم من كل ما سبق هو: فى ظل هذا التخبط والتعددية اللانهائية لغرف الصدى، وانعدام النجومية، وضبابية الرؤية الاعلامية، كيف تتم قراءة الجماهير؟ كيف تستكشف الأنظمة السياسية والمؤسسات الرئيسية توجهات الشعوب والجماهير وتلتفت لرغباتهم الحقيقية واحتياجات السواد الأعظم دون أن يقع القائمون على قراءة الجماهير فى فخ غرف الصدى الوهمية أو استطلاعات الرأى المزيفة أو حتى فيما يكتبه ويعلنه من نسميهم قادة الفكر؟

    أعتقد أن الاعلام وفن قراءة الجماهير – أقصد علم قراءة الجماهير - ينبغى دراسته (من أول وجديد) بما يناسب متغيرات عصر ما بعد الحداثة..

    إيرينى ثابت
    للأعلى