وجهة نظر

يا رايحين للنبى الغالى

2017-08-30 14:44:38 |
  • أحمد سليم
  • أحمد سليم

    "الله أكبر.. الله أكبر".. تملأ ميادين العالم الإسلامى وساحات الحرمين منذ أكثر من أسبوعين، وأغنية "يا رايحين للنبى الغالى" تصدح فى منازل عديدة فى وداع آلاف الحجاج.

    "يا رايحين للنبى الغالى" دعواتكم.. دعواتكم من أجل مستقبل مصر.. دعواتكم كى يعود الإسلام إلى المسلمين الحقيقيين.. أن تختفى عصابات المتاجرة بالإسلام، التى تحولت لمنظمات إرهابية تقتل المسلم وتغتصب زوجته وتحل ماله وتتاجر بأعضاء أطفاله، بحجة نشر الإسلام الحقيقى، وإقامة الديمقراطية.

    مشهد ملايين الحجاج وهم يكبرون وانتظامهم فى طوابير الصلاة بدقة يعطى الأمل أن تتوحد كلمة المسلمين ذات يوم ليعود للإسلام مجده.

    أُتابع نقل مناسك الحج وأعود بذاكرتى إلى أول مرة دعانى الله لزيارة بيته ذات صباح، لا تزال التفاصيل واضحة أمامى.. أيقظنى الصديق عبد الله الثقفى "أبو بدر" رحمه الله، ليزُف لى بشرى حصولى على تأشيرة الحج، وكان المُتبقى على آخر رحلة إلى السعودية يومان، كُنت أُسابق الزمن لأُنهى إجراءات السفر ضمن مجموعة من الزملاء والأصدقاء.

    أتذكر أننى سافرت على متن آخر رحلة طيران، وبجوارى كان الدكتور مجاهد من جامعة المنصورة، وهو طبيب عارف بشؤون الحج ومناسكه لتكرار سفره، علمنى فى هذه الرحلة وساعدنى كثيرًا، وصلنا إلى جدة ثم إلى منى لنضع حقائبنا، ونعود إلى مكة فى طواف القدوم.

    لحظات ينتظرها المسلم، ويحلم بها أن تلتقى عيناه بالكعبة، كُنت أُفكر وأنا فى السيارة: بماذا سأدعو؟ ما دعوتى الأولى أمام بيت الله الحرام؟ ولمن ستكون دعوتى؟.. أعلم جيدًا قيمة الدعوة الأولى والنظرة الأولى، نزلت من السيارة وأفكار كثيرة تزدحم فى رأسى وما إن رأيت الكعبة الشريفة حتى خطفنى واستولى على شىء لا أعرفه وإحساس لم أتذوقه من قبل.. وجدتنى مُتجهًا إليها.. مأخوذًا بها.. مُعلقة عيناى بأستارها لا أتذكر ماذا دعوت، ولا لمن، كل ما أتذكره أننى فقدت السيطرة على نفسى، وسرت إليها فى خطوة مُنتظمة شبه عسكرية.

    عيناى لا تفارقها وقدماى بالكاد تحملانّى كلما كانت المسافة تقترب بينى وبينها كنت أحس أن هذا هو المُنتهى، وأنها أجمل لحظات العمر بالفعل، مُتع كثيرة فى الحياة عشتها، وأحداث مهمة دارت بى وحولى، لكن اللحظات الأولى فى لقاء كعبة الله المشرفة كانت تحمل إحساسًا لا مثيل له.

    أنا الآن فى بيت الله، وأمام الحجر الأسود جئت إلى هنا بدعوة من رب الكعبة، جئت فى رحلة ميسرة، وهناك ملايين آخرين يحلمون بمثل هذا الموقف، يرغبون فى هذه اللحظة حتى لو أتوا إليها من قارات بعيدة سيرًا على أقدامهم.. وجدتنى أجلس بعد الطواف والسعى أمام الكعبة أُحادثها وأُناجى ربها.. مشاعر مختلفة تربط بين إنسان قريب من الصوفية وبين أفضل مكان فى الأرض وأطهر بقعة بها.. هُنا بنى إبراهيم بيته، وهُنا فدا الله إسماعيل بكبش من الجنة، وعبَدَت الجاهلية الأوثان، وهُنا طاف الرسول عليه الصلاة والسلام، وهُنا أيضًا اعتكف المبشرون بالجنة والصحابة.

    أى مكانة يدركها الحاج إلى بيت الله وهو يرى نفسه مكان هؤلاء، كانت رحلتى اليومية فى كل صلاة هى حج جديد بالنسبة لى ورؤية مختلفة لبيت الله، أحسست أننى لم أحج مرة واحدة فى هذه الزيارة، لكنها كانت حجات مُتتالية، وفى زيارة ثانية كنت أظن أن الإحساس سيقل ويختلف، لكنه كان الأكثر والأقوى، ويبدو أن الحنين إلى بيت الله لا تنقص منه زيارات مُتعددة، ويبدو أن كل زيارة تدفعك بكل الشوق إلى أُخرى، ذكريات كل زيارة تحتاج إلى مُجلدات لعرضها.

    ومن مكة إلى النبى الغالى رايحين، وهناك فى المدينة وفى رحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت أجمل لحظات السكينة، ولم لا وأنت بجوار خير الخلق وأكرمهم وأنت تصلى فى منزله ووسط روضته.

    هنيئًا لكل من ذهب ودعوة أن يُحققها الله لكل مسلم.. ويا ريحين للنبى الغالى دعواتكم.

    أحمد سليم
    للأعلى