وجهة نظر

نظرية المؤامرة فى بريطانيا

2017-08-29 21:41:20 |
  • محمود بسيونى
  • تصنف عملية خروج بريطانيا أو "البريكست" واحدة من أسوأ عمليات الصراع السياسى، التى شهدها العالم فى السنوات الأخيرة، ارتكب السياسيون خطأ جسيمًا بتغليب المصالح السياسة الضيقة على المصلحة العامة للبلاد، ما تسبب فى خسائر فادحة للاقتصاد البريطانى.

    كان كل فريق يحاول إثبات صحة نظريته سواء بالبقاء أو الخروج، وتاه الناس بين مؤيد ومعارض، وتحول الأمر إلى حرب تصارعوا فيها بكل الأسلحة بما فيها القذرة.

    وحينما ظهرت الخسائر واتضح أنه فخ انزلقت فيه بريطانيا، ظهرت نظرية المؤامرة، وروج لها الإعلام ولم يعترض أحد كما يحدث فى مصر، لأنها باختصار كانت تمثل الحقيقة المرة.

    تحقيق طويل للكاتبة كارول كادولادر، فى صحيفة الجارديان، كشفت فيه عن وقائع خطيرة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعى فى التأثير على اتجاهات المصوتين خلال استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبى، وأن اليمين فى أوروبا وأمريكا أنشأ شركات للبيانات واستخدم مواقع مثل فيسبوك وتويتر وجوجل كآلة دعائية للتأثير فى الناس عبر تقنيات الحرب النفسية الحديثة، ونجحت فى أن تفرض عليهم قرارا مصيريا، مثل الخروج من الاتحاد الأوروبى، الحكاية تشبه إلى حد بعيد الحديث عن حروب الجيل الرابع، التى اعتبرها كثير من النشطاء تضليل تمارسه السلطة على الشعب المصرى.

    الإعلام البريطانى، احتفى بما كتبته كارول، وربطت فيه بين البنتاجون وشركات موجودة فى وادى السيلكون وكندا وبين خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، فيما بدأت بعض الصحف البريطانية فى التقاط الخيط والترويج إلى وجود عمليات تأثير مشابهة تستهدف عمليات انتخابية أخرى ستجرى فى عدد من دول العالم، إشارة واضحة لتدخل أمريكى خفى من أجل تفتيت أوروبا سياسيًا لتبقى الهيمنة أمريكية.

    المثير فى تحقيقها هو ذلك الشرح المستفيض لما أطلقت عليه "جيوش المقنعون" أو هؤلاء الأفراد الذين يحاولون تغيير الثقافة وصولا إلى تغيير السياسة، والذين أنفق عليهم حوالى مليار دولار خلال معركة خروج بريطانيا من الاتحاد أو "البريكست"، وهم أشخاص إما عاديون أو مشهورون يمتلكون حسابات على الفيسبوك أو تويتر ولديهم الآلاف من المعجبين، ويستغلون ذلك فى محاولة تغيير قيم وأفكار متابعيهم وتوجيههم إلى ما تحدده تلك الشركات، قد يكون هدفا سياسيا أو ثقافيا أو تجاريا، وفى الغالب يصدق الناس ما يكتبونه هؤلاء الأشخاص باعتباره الحقيقة خاصة وأنهم يستخدمون أساليب إقناعية مختلفة تمكنهم من الوصول إلى العقول والتأثير بشكل تراكمى عليها معتمدين على أن جمهور الفيسبوك قليل القراءة والإطلاع ويلتزم بآراء هؤلاء "المقنعين" أصحاب "آلاف اللايكات" فى الاختيار السياسى نيابة عنه.

    ثم أشارت إلى اعتماد شركة "كامبريدج أناليتيكا" المتهمة بالتأثير فى تصويت البريطانيين على بيانات الفيسبوك بالطريقة، التى استخدمها مجموعة من علماء النفس فى جامعة كامبريدج والقائمة على تحديد السمات الشخصية، والميول الحزبية و السياسية، والحياة الجنسية ومواضيع أخرى بالاعتماد على عدد "اللايكات" فى فيسبوك، وقدمت الشركة مبالغ مالية لمجموعة من مستخدمى فيسبوك مقابل مشاركتهم فى اختبار للشخصية مما مكنهم من استخلاص كل البيانات المطلوبة من حسابات هؤلاء، فضلا عن الحسابات الخاصة بأصدقائهم وبطريقة مشروعة.

    كما قامت الشركة "قانونيا" بشراء مجموعة مختلفة من بيانات المستخدمين فى علاقة بجميع المجالات، انطلاقا من اشتراكات المجلات ووصولا إلى رحلات الطيران، ومن ثم ألحقتها بالبيانات النفسية التابعة لملفات الناخبين، وبعدها قامت بمطابقة هذا الكم الهائل من المعلومات مع عناوين الأشخاص، وأرقام هواتفهم، وعناوين البريد الإلكترونى الخاص بهم وعبر كل هذه المعلومات تمت صياغة رسالة شخصية فردية لكل شخص مستهدف من أجل التأثير عليه وإقناعه بالخروج من الاتحاد الأوروبى.

    ما جاء فى ذلك التقرير يضع علامات استفهام كثيرة على البيانات والمعلومات التى تبثها صفحات التواصل الاجتماعى فى كل بلدان العالم ومن يقف ورائها، فلقد تحولت إلى أداة من أدوات الحرب على عقولنا والتأثير على أدمغتنا، ويصبح الأمر مرعبًا إذا تخيلنا أن هذه البيانات موجودة فى أيدى التنظيمات الإرهابية أو أنهم يعملون وفق نفس النسق، وقد يكون قد حدث بالفعل، وأنهم يحددون أهدافهم وفق بيانات التواصل الاجتماعى.

    لا تخطئ العين حينما ترى ذلك النموذج متحققا فى مصر، كما يفسر سبب استهداف الجيش والمؤسسات الأمنية فى المقام الأول من قبل جيوش المقنعون المصريون والعرب، وكذلك ترويج أغلبهم لفشل المشروعات القومية أو تجميل الملكية على حساب الجمهورية أو الطعن فى رموز تاريخية أو محاولة تصوير حرب مصر على الإرهاب والتطرف بأنها حرب على الإسلام، ويستخدم فيها حسابات لشخصيات معروفة أو غير معروفة يتابعها آلاف الأشخاص، ومن الأمور المضحكة فى مصر أن حساب لشخص كان يدعو لعبادة آلهة المصريين القدماء تحول إلى التحذير من وجود حرب على الإسلام فى مصر ودعا للتصالح مع تنظيم إرهابى مثل الإخوان.

    ذلك النوع من الحروب يعتمد على مقاتلين من نوع خاص هدفهم استلاب عقلك وقلبك، حتى يتمكنوا من التحكم فيك بشكل كامل، وتنفيذ استراتيجيات الحرب النفسية المختلفة، والتى قد تصل إلى إقناعك بأشياء غير واقعية لكنها تخدم سياسة ما يتم تطبيقها بشكل عالمى حتى أن جريدة زمان التركية، حاولت التشكيك فى الانقلاب الذى وقع الصيف الماضى فى تركيا، وقالت إن إدارة رجب طيب أردوغان، استطاعت أن تقنع الأتراك والعالم بوقوع انقلاب وهمى دون الكشف عن قادته وأن تستخدم عناصر تابعة لها، داخل الجيش فى قتل الناس فى الشوارع، وتصوير معارك جوية وهمية لتأكيد الأمر، ثم يظهر ديكتاتور مثل أردوغان بشكل درامى ليضع كل معارضيه فى السجون برضاء داخلى وخارجى وبعدها يهيمن على كل الصلاحيات.

    إننا أمام شر عظيم يستلزم من الدولة بكل أجهزتها التحرك لتقنين الأوضاع على مواقع التواصل الاجتماعى، فخطورة هذه الأدوات أنها منصة للشائعات الممنهجة و"العبث بالعقول" خارج إطار القانون ويحميها معارضون من أصحاب الصوت العالى، يريدون قطع الطريق أمام أى تنظيم يحمى المجتمع من ضررها ويضمن لهم بقاء التأثير والمكسب المادى.

    محمود بسيونى
    للأعلى