وجهة نظر

تعلموا من البرازيل

2017-08-29 10:30:20 |
  • أسامة سلامة
  • هذه المرة يأتينا الدرس من البرازيل، كيف نواجه التعصب والتطرف وكراهية الآخر؟.

    الدرس بدأته فتاة صغيرة وأكمله المجتمع البرازيلى، والواقعة التى تحولت إلى درس يجب أن نفهمه وندرسه ونطبقه، بطلها بالمصادفة مصرى مغترب فى البرازيل، سافر إلى هناك منذ ثلاث سنوات بحثًا عن الرزق بعد أن أغلق محله فى مصر، وفى بلدة ريو دى جانيرو لم يجد عملاً سوى الوقوف على ناصية أحد شوارع المدينة بعربة لإعداد وبيع الشطائر على الطريقة العربية.

    منذ أيام هاجمته مجموعة عنصرية وقام أحدهم بتحطيم عربته والاعتداء عليه وهو يقول "اخرج من بلدى"، "بلدى تجتاحها هذه القنابل البشرية التى تقتل الأطفال"، "ارجع إلى بلدك أيها السورى" (كان يظنه لاجئًا سوريًا).

    وسط المارة فى الشارع الذين كانوا يتفرجون تقدمت فتاة شابة عمرها 19 عامًا وطلبت من المعتدى التوقف فورًا، وسجلت كل ما حدث، ثم ساعدت المصرى فى لملمة أشيائه وتضميد جروحه، وطلبت منه إبلاغ الشرطة، ولكنه رفض خوفًا من تكرار الاعتداء عليه، ولأنه غير حاصل على ترخيص لبيع المأكولات.

    توجهت الفتاة إلى الشرطة وأبلغتهم بما حدث وقدمت التسجيل، وهناك قالوا لها "انسى الأمر وامسحى التسجيل"، ولكنها لم تيأس فأرسلت التسجيل إلى مؤسسة "جلبو"، وهى واحدة من أكبر المؤسسات الإعلامية فى البرازيل، ومرة أخرى لم تجد اهتمامًا، فأرسلت التسجيل إلى مؤسسة إعلامية أصغر، التى تحمست ونشرت الواقعة.

    قامت الدنيا ولم تقعد، وانتشر الفيديو، وبدأت مناقشات كبيرة حول قيم السماحة والاعتراف بحقوق الآخر فى المجتمع البرازيلى، وقام رئيس بلدية ريو بمنح المصرى ترخيصًا لبيع المأكولات، وصوت برلمان الولاية لإعطائه لقب مواطن شرف، أما المواطنون العاديون فقد احتفوا به، ودشنت حملة إعلامية للذهاب إلى عربته والشراء منه، وقام الكثير من المواطنين بنشر صورهم التى التقطوها معه.

    هكذا تحول المصرى محمد على قناوى إلى بطل شعبى لدى البرازيليين بسبب شجاعة الفتاة الشابة بياتريس التى قررت ألا تكون سلبية ولا تكتفى بالتعاطف القلبى أو الكلام، وإنما حولت مبادئها وأفكارها التى تؤمن بها الى فعل إيجابى، أيضًا المواطنون البرازيليون قرروا الدفاع عن حضارة بلدهم وسمعتها بالتعاطف مع الضحية الأجنبى والوقوف معه وشراء الشطائر منه، كذلك بلدية مدينة ريو كفرت عن خطأ مواطنيها المتعصبين بمنح محمد ترخيص البيع، وبرلمان المدينة تحرك هو الآخر ومنح الضحية لقب مواطن شرف.

    هذا هو الدرس الذى يجب أن نتعلمه، متى نكون إيجابيين أمام وقائع التطرف ولا نكتفى بالكلام؟، ومتى يتحرك المؤمنون بالمواطنة ويذهبون للوقوف مع ضحايا التطرف بدلاً من النواح؟، ومتى تقوم المؤسسات بدورها وترد على الاعتداءات وتساند المعتدى عليهم ماديًا ومعنويًا وتعطيهم حقوقهم المهدرة؟ لقد قالت وسائل الإعلام البرازيلية فى تعليقها على واقعة المصرى الضحية أن "البرازيل المضيافة انتصرت على البرازيل المتعصبة".

    لقد استوردنا اللحوم البرازيلية، وتعاقدنا مع لاعبى ومدربى كرة قدم من هناك، فهل نستقدم منها مبادئ التسامح والقدرة على الوقوف بإيجابية أمام الحوادث العنصرية؟

    أسامة سلامة
    للأعلى