وجهة نظر

لافروف على خطى أردوغان فى أزمة قطر

2017-08-29 08:46:03 |
  • د.أشرف الصباغ
  • زيارة لافروف إلى ثلاث دول خليجية، هى الكويت والإمارات وقطر، سعت لعدة أهداف مثيرة للدهشة والتساؤلات.

    هذه الجولة، إذا جاز التعبير، اتخذت هدفين معلنين، ألا وهما استعداد موسكو للمساعدة فى تسوية الأزمة القطرية، وإطلاع "الشركاء العرب" على "الجهود التى يتخذها الجانب الروسى بشأن تسوية الأزمة فى سوريا فى إطار ما يسمى بعملية أستانا"، وهو ما يذكرنا بالتاجر الذى نشر نعيًا لوالده فى إحدى الصحف، وختمه بالإعلان عن أنه "يصلح ساعات" أيضًا.

    هدفان معلنان لا علاقة بينهما من حيث المبدأ، ولكن الدبلوماسية لا تمانع فى الجمع بين الأشياء المتناقضة أو المتضاربة بشرط أن يتوافر لها التبرير الجيد والصيغ الكلامية المنمقة والقادرة على الإقناع النظرى، بصرف النظر عن ما يجرى على أرض الواقع، وهو بالضبط ما حدث بالنسبة لوساطة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان عندما تنطَّع "لتسوية" الأزمة القطرية، وباءت محاولته بالفشل، لا بسبب أطراف الأزمة، وإنما بسبب أردوغان كجزء أصيل من المشكلة نفسها، ولأن أردوغان تدخَّل للوساطة لا لحل الأزمة، بل لصب المزيد من الزيت على النار ومحاولة إحداث اختراقات معينة يمكنه استخدامها كأوراق رابحة، سواء مع أطراف الأزمة أو مع أطراف أخرى لديه معها مشاكل.

    وسائل الإعلام الروسية تناضل من أجل تصوير زيارة لافروف للكويت والإمارات وقطر، وكأنها مفتاح التسوية فى منطقة الخليج والشرق الأوسط، بل وتسعى إلى إقناع العالم كله بأن دور موسكو محورى فى كل ما يجرى فى الخليج والشرق الأوسط والعالم، بينما ينقسم "المحللون الاستراتيجيون" الروس إلى فريقين: الأول، يرى أن الزيارة ليست للوساطة، وإنما لتعميق التعاون مع دول الخليج، وطمأنه السعودية. والثانى، يعتقد أنها زيارة استراتيجية – تاريخية بنتيجة انتصار روسيا فى سوريا، ومن ثم ضرورة استثمارها سياسيًا وتثبيت دور موسكو فى المنطقة.

    هذه التهويمات الإعلامية والسياسية المنفصلة تمامًا عن الواقع إما تتوخى التضخيم والمبالغة أو تسعى للتضليل بهدف التغطية على أهداف أخرى، وهو أيضًا ما حدث بشأن زيارة أردوغان التى يمكن وصفها بسياسة "كيد النسا"، وليس تلك السياسة المسؤولة التى يتوقعها الرأى العام من مسؤولى دول كبرى من المفترَض أن تتسم تحركاتها بالمسؤولية وعدم خلط الأوراق وصب الزيت على النار لتحصيل مكاسب ضئيلة أو إثارة الفوضى.

    زيارة لافروف إلى ثلاث دول خليجية جاءت على أساس انطباعات بأن هذه الدول بحاجة إلى وساطة روسية، بعد أن أعطت وسائل الإعلام انطباعًا بأن كل مقابلات الساسة الروس مع نظرائهم من دول الأزمة الأربع دارت حول وساطات موسكو لتسوية هذه الأزمة.. وبالطبع، لا يمكن أن تجتهد وسائل الإعلام الروسية وتجهد نفسها لهذه الدرجة دون التصريحات الفضفاضة التى يدلى بها المسؤولون والساسة الروس بشأن استعدادهم للتدخل فى حل الأزمة، وحرصهم على وحدة دول الخليج والدول العربية، وأملهم بأن يكون كل شىء على ما يرام لدى الأصدقاء والأشقاء العرب، وأنهم لا يبتغون إلا وجه الله فى كل مساعيهم الإنسانية الخلاقة من حل أزمات البشرية والأجيال القادمة.

    فى الواقع، زيارة وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف إلى الكويت والإمارات وقطر توخَّت عدة أهداف نظرية للغاية، على رأسها الترويج لما يسمى بـ"صيغة أستانا"، وإعطاء انطباع بأن روسيا انتصرت فى سوريا، وبالتالى، يجب تقنين ما يتم التوصل إليه دوليا عبر هذه الصيغة.. كما استهدفت أيضًا التأكيد على دور روسيا فى الخليج مقابل الدور الأمريكى التاريخى والواقعى، والبحث عن صيغ للجمع بين التناقضات والمتناقضات على أن تمسك هى بالخيوط الأساسية للتشغيل عبر تحركاتها التى تتسم بالصبر وطول البال والتسويف وتوظيف الملفات فى أزمات ومشاكل أخرى لا علاقة لها بالأزمة الأصلية.

    هنا، لا يمكن تجاهل أحد أهم الأهداف الرئيسية، وهو محاول إحداث اختراق للعلاقات الأمريكية – الخليجية من جهة، والسعى لإحداث اختراق آخر فى منظومة العلاقات الخليجية – الخليجية من جهة أخرى، الأمر الذى يصب فى مصلحة إيران ويصنع توازنا إقليميا ودوليا. كما أنه يخدم كذلك تركيا الأردوغانية على المديين القريب والمتوسط، لأنه يعمل ببساطة على صنع توازنات أخرى مع مصر والسعودية إقليميًا، ويمكنه أن يدق بعض الأسافين بين هاتين الدولتين وبين الولايات المتحدة.

    تركزت الجولة الروسية أيضًا على نجاحات محدودة، وربما تكون مؤقتة، لروسيا فى الأزمة السورية.. وبالتالى، تعمل موسكو على تكريس تلك النجاحات فى دعم نظام بشار الأسد من جهة، ومحاولة جر الولايات المتحدة إلى "صيغة أستانا" من جهة أخرى، وتسجيل نقاط واضحة بشأن جهودها التى لا يعرف أحد عن ماذا يمكن أن تسفر عندما يتم التعامل مع الأمر الواقع وتقسيم سوريا كأمر واقع وكضرورة أيضًا.

    د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49
    للأعلى