فضفضة

أنا حرة

2017-08-30 10:02:08 |
  • فريدة دياب
  • فضفضة

    فى حياتنا أشياءُ لا تحتمل، أو ينبغى أن نجازف بها أو أن نجعلها محلًا لتجاربنا، فمجرد أن تخضع للتجربة قد يكون ثمن الدرس باهظًا جدًا، فلا ينبغى أن يصل بنا الحال إلى فقدانها لكى نعرف قيمتهما، ولكن علينا أن نعرف قيمتهما جيدًا لكى لا نفقدها.

    منحتها الحياة ظروفًا سهلة فى أسرة ميسورة الحال، ‎ومنحها الله الجمال الهادئ الذى لا يمكن أن تخطئه عين. ‎تشعر بذاتها. ‎متفوقة فى دراستها. ‎التحقت بكلية الطب، ‎ورغم صعوبة الدراسة فى كليتها، فقد تزوجت قبل أن تتخرج، إذ رأت أسرتها فيمن تقدم لها، العريس الذى كانوا يتمنونه لها، بعقله المتفتح، وحبه للعلم، ومستقبله الواعد.

    ‎وظلت أمها إلى جانبها، تساعدها فى مهمتها الصعبة: الجمع بين دراستها فى كلية الطب وتأدية واجباتها كزوجة وكأم أيضًا، فقد أنجبت أمل طفلتها الأولى فى أثناء الدراسة، وبلغ عمرها عامين حين تخرجت، ثم رزقها الله ابنًا آخر فور تخرجها.

    صورة أمل تغيرت كثيرًا خلال فترة قصيرة، فقد ارتدت الحجاب، وزاد وزنها كثيرًا نتيجة للحمل والولادة وعدم حرصها على ممارسة الرياضة أو الحفاظ على رشاقتها. انطفأ بريق أنوثتها المعتاد وصارت تبدو كأنها شخص آخر، شاردة، فى حيرة، ولكنها ظلت تستكمل دراستها العليا إلى أن تخصصت فى التنظيم الغذائى، وأصبح دورها مساعدة السيدات على فقدان الوزن والحفاظ على رشاقتهن، فكان من الطبيعى أن تبدأ بنفسها وبالفعل فقدت الكثير من وزنها حتى عادت إلى رشاقتها المعهودة.

    وبدأ الصراع الأكبر بينها وبين نفسها، فقد صارت فى حالة تمرد غير مبرر على كل ما هى فيه، أحياناً ما يكون الحوار الدائر فى أعماقنا من أصعب الحوارات لأنه كثيرًا ما يغلب عليه الهوى وليس المنطق، ولا يكون فيه إلا نفسك، حتى لو دفعك للخسارة.

    ‎بعد أن خرجت أمل للحياة العملية، شعرت برغبة فى الانطلاق وربما شعرت لأول مرة بقيود أسرتها، بتحكمهم فى ما ترتديه، وطبيعة الحياة المنغلقة التى فرضوها عليها، ومواعيد خروجها وعودتها، فى عدم الاكتراث بمشاعرها، بتزويجها المبكر، رغم حبها واقتناعها بزوجها.

    ‎ولكن يبدو أن كل الأفكار والمشاعر السلبية التى ظلت كامنة فى أعماقها استيقظت فجأة، فصارت تنظر لحياتها نظرة مختلفة، فتحسب ساعات ابتعاد زوجها ووجوده خارج البيت، وتشعر بالملل من اهتمامه بالعلم والعمل، هدوءه المعتاد صارت تراه رتابة ومللًا، عدم ميله للجدل أو الاختلاف صارت تراه سلبية، نعم لقد تغيرت أمل وصارت ترى فى كل شيء نقيضًا ما كانت تراه من قبل، صارت السلبيات تستهويها، وتضاءل إحساسها بالقناعة والرضا، الذى كانت تحيا به.

    ‎قررت أمل أن تخلع الحجاب وأن تعيش حياتها كما يحلو لها، ‎وصارت حياتها مختلفة، فلا تقضى وقتًا طويلًا مع أولدها، بل لم تعد تهتم بهم كما اعتادت من قبل، فهناك من يجلس معهما ويرى متطلباتهما، ومن وجهة نظرها أنها قد أحسنت تربيتهما وكفى.

    ‎ازداد اهتمام أمل بمظهرها وبشراء الملابس الفاخرة البعيدة كل البعد عن الاحتشام!

    ‎كل يوم بعد العمل لا تعود إلى المنزل، بل تخرج مع أصدقائها وتعود وأولادها نيامًا، وتسافر مع أصدقائها وتقضى أيامًا بلا تفكير فى المنزل، فالمنزل عندها أصبح قيدًا كبيرًا يكاد يخنقها فهى تريد الانطلاق وتعشق كلمة "أنا حرة"، ووقف زوجها أمام كل هذه التغيرات موقف المتفرج، ولم يحاول أحد من أسرتها أن يناقشها أو حتى أن يستفسر منها عن أسباب كل تلك التغيرات.

    ‎ولمزيد من التحرر بدأت أمل فى التفاعل على السوشيال ميديا، ووضع صورها على موقع التواصل الاجتماعى بملابس تجعل من يراها يظن بها السوء، لأنك تقابل فى الحياة أشخاصًا مرضى وهم لا يدركون.

    تزايدت حالة التمرد عند أمل وأصبح كل من لا يتوافق مع تفكيرها إما رجعيًا أو تفكيره قديم، وبعد أن أصابها جنون حب النفس أصبحت ترى أن كثيرين يشعرون بذلك، وتملكت منها النرجسية، فانتقلت إلى مرحلة جديدة من الشعور بأن كل من حولها يغارون منها ويريدون أن يفعلوا مثلها، لكنهم غير قادرون.

    فى عملها، أصبحت تقابل نوعيات كثيرة من الشياطين، لكنهم فى صورة بشر، جعلوها تعتقد أنها كثيرة على زوجها، فهم يعبرون لها عن انبهارهم بجمالها وذكائها، ولا يخجل أحدهم أن يصارحها بأنها تستحق من هو أفضل من زوجها، وإذا أخطأ زوجها فى شىء يضخمونه، وإذا بحثت فى بيوتهم ستجدهم يفعلون أضعافه.

    ونسيت "أمل" فى حوارها مع نفسها، أن تتذكر كلام المحبين الذين لا يريدون منها إلا أن يروها سعيدة، فكلامهم كان قيدًا تريد أن تتحرر منه، ففى مرحلة ما، تختلط الأمور عند البعض فلا يفرقون بين حبهم لذاتهم، واندفاعهم فى طريق قد يصل بهم إلى حافة المجهول، فلا يرون خطوطًا حمراء، يجب أن يقفوا عندها، وإنما يدفعهم جنونهم بأنفسهم إلى ما لا نهاية، وهذا ما وصلت إليه أمل حين غمرتها الرغبة فى الانفصال عن زوجها، ولم يستطيع أحد أن يثنيها عن طلب الطلاق.

    ووافق زوجها على الطلاق، ولم يجادل فى أى تفاصيل، فهو على قناعة بأن الأولاد لا يستطيعون العيش دون أمهم مهما حدث ويعلم أنهم دائمى الوجود عند جدتهم، ولكنه قال لها إنها بأسلوب حياتها لن تتزوج أبدًا فكل من سيحاول الاقتراب منها، سيكون راغبا فى مجرد أنثى لا زوجة.

    وقع الطلاق، وبدأت أمل حياتها الجديدة وهى حرة، تعمل وتسافر وتخرج بلا قيود، وأمها تساعدها فى رعاية أولادها، ليس من أجلها ولكنها كانت تشعر بحزن عليهم وعلى حال ابنتها التى لا تعرف ماذا حدث لها، وكيف تغيرت كل هذا التغيير، ولكنها أصبحت حتى لا تملك من الصحة ولا الجهد لتدخل معها فى صدام، فكانت ترفع يدها طالبة المدد من عند الله!!

    ‎قابلت "أمل" أنواعًا كثيرة من البشر بعد طلاقها، ولكن تغيرت الوجوه، الذى كان يتعجل يوم طلاقها ما زال يريدها ولكن بشروطه هو!! أولها الزواج فى السر فهو لا يستطيع أن يعلنه، من أجل زوجته الأولى وأم أولاده هو الطريق الأمثل لكثير من طالبى الرغبة المؤقتة لفترة وتنتهى فى السر "ولا من شاف ولا من درى".

    ‎ النوع الأخطر الذى يهيم بها شوقًا وعندما تحدثه عن الزواج بمنتهى الجرأة تكون إجابته: "مين اتكلم على الجواز؟ احنا خدنا إيه منه"، يقولها بلا أدنى خجل فهو ليس ملزمًا بما آل إليه تفكيرها، فهو يعشق الحرية مثلها فلماذا تريد أن تقيده، وهذه النوعية ترى أن الزواج يفسد الحب، هكذا يفكرون!! ونوع ليس له طعم ولا رائحة، يقولها صراحة: "نضرب ورقة عرفى"، أما الرجال أصحاب المبادئ والعقول الرزينة لم تصادفهم، وإذا صادفتهم لا يقتربون منها، وإن وجدوا فهم أصدقاء يعرفونها جيدًا ويخشون الاقتراب منها، ففى الزواج ليس كل صديقة تصلح أن تكون زوجة والعكس.

    عام كامل مر منذ طلاقها فعلت فيه ‎كل ما كانت تختزنه من رغبات واهية. سافرت وخرجت ولبست وانطلقت بحرية وبلا أى قيود، قابلت جميع أنواع الرجال ولكنها لم تستطع أن تقترب منهم أو تشعر بالحب تجاه أى منهم، فتوقفت لحظة وشعرت بالشبع، وشعرت بالحنين لزوجها وشعرت كم كانت تحبه، ولكنها كانت تتمنى فى أعماقها أن تعيش حياة مختلفة مليئة بالمغامرة، وها هى قد عاشتها وانتهت إلى لا شىء.

    ‎أحيانًا لا يكون الطلاق نهاية، وإنما بداية لاكتشاف الإنسان لذاته، لأن كثيرين منا لا يعودون إلى أنفسهم إلا بعد أن يتعلموا الدرس حتى النهاية، وحينها يقولون "قرصة ودن".

    ‎عادت "أمل" إلى زوجها بنفسها طالبة العودة ولم يكن هينًا عليها، لأنها سمعت منه ما لم تكن فى يوم ترضاه، ولكنها سمعته ورضيت به، لم يكن سهلًا على زوجها العودة، ولكن رجاحة عقله وحبه لأولاده وبيته دفعاه إلى القبول بعودة الحياة بينهما.

    ‎عادت أمل ولكن لم تعد كما كانت، ربما عرفت قيمة زوجها الذى صبر ولم يتحين الفرصة أو ترصد بها، عادت ولم تكره الحياة ولكنها فهمتها كما يجب أن تكون فاعتدلت فى حياتها وأدركت حقيقة الحياة.

    فلست فى الحب وحدك.. ‎ولست فى الحلم وحدك.. ‎ولست فى الألم وحدك.. ‎معا نتقاسم كل شىء.. لكى نكمل الحياة.

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع "فيسبوك" Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب.

    فضفضة فريدة دياب
    للأعلى