وجهة نظر

الكلب ليس صديقى

2017-08-24 09:37:11 |
  • إيرينى ثابت
  • "أن تقتنى كلبًا أفضل بكثير من......" و "عندما تريد أن تشتم أحدًا قل له: يا بنى آدم.. ليس تأدبًا بل لأن الكلاب أفضل بكثير من.......".. و"صديقى الحقيقى هو قطى، أو كلبى"..

    بالإضافة إلى كم هائل من الفيديوهات المنزلية التى تصور وفاء الكلاب لأصحابها وصداقتها مع الكبار والأطفال بل وحتى الرضع..

    هذا ما ستجده على وسائل التواصل الاجتماعى منذ فترة.. وصار فى تزايد واضح هذه الأيام.. ولأننى أؤمن أن الإنسان هو تاج الخليقة مهما سلكت الحيوانات سلوكًا طيبًا.. ولأننى ما زلت أؤمن أن الخير والحق والجمال غاية الإنسانية ولا يحققها سوى الإنسان.. أرفض تمامًا المقارنة بين الإنسان والحيوانات.. ولا أستطيع فى العبارات السابقة أن أكتب الإنسان فى المقارنة..

    ولكن انتشار هذه العبارات والأفكار ولجوء كثير من أصدقائى على أرض الواقع لاقتناء الحيوانات المنزلية واعتبارها من أعضاء الأسرة.. بل وأجد منهم من يدعو كلبه أو قطته: صديق.. جعلنى أبحث بشكل أكثر أكاديمية فى الأمر.. ربما هى ليست "موضة" كما أظن.. وربما هى ظاهرة مفيدة لنفسية البنى آدمين ولمساعدتهم على حب الحياة والتوازن النفسى وبخاصة أننا فى عصر ندرت فيه الصداقات الإنسانية الطبيعية ولا توجد فيه سوى رتوش الصداقة فى العالم الافتراضى المقيت..

    ووجدت أن الأمر جد خطير.. بل وقد سبقنا الغرب فتفشت فيه هذه الظاهرة قبلنا بثلاثة عقود على الأقل من الزمان!! وظهر علم الحيوان الإنسانى "Anthrozoology" وهو العلم الذى يدرس العلاقة بين الإنسان والحيوان.. كما تأسست جمعية من العلماء المتخصصين فى هذا المجال عام 1991 ويعقدون مؤتمرًا سنويًا لتبادل الأبحاث حول هذا الأمر..

    ومن المثير للدهشة أن أبحاثًا مما قدموا فى سنوات مضت تدرس تأثير وجود حيوان منزلى على عدة متغيرات عند أصحابه.. ومنها مثلًا معدلات الوفاة.. إذ أن أحد المقولات الشهيرة هى أن من يمتلك كلبًا أو قطة يعيش أطول ممن لا يقتنى هذه الحيوانات المنزلية.. وقد جاء فى أحد تلك الأبحاث، والذى اعتمد على العديد من الدراسات التى أجريت على 300 ألف شخص، أن الذين ليس لهم أصدقاء يموتون فى سن مبكر عن الذين لهم أصدقاء وشبكة علاقات اجتماعية قوية بنسبة 50%.. ولكن هذا ينطبق فقط على الأصدقاء من البشر!!

    أما الذين لهم أصدقاء من الحيوانات فلا تؤثر صداقتهم تلك على معدلات الوفاة المبكرة على الإطلاق.. كما كشفت دراسات أخرى أن وجود صديق من الحيوانات فى المنزل لا يؤثر فى تحسين النفسية على الإطلاق.. وبدا ذلك غريبًا بالنسبة لى.. إذ قالوا أنهم درسوا: الاكتئاب، والشعور بالوحدة، والانعزالية، وتقدير الذات، والرضا العام عن الحياة.. ووجدوا أن اقتناء الحيوانات لا يؤثر إطلاقا على أى مما سبق بالسلب أو الإيجاب.. وفى المقابل تتحسن كل العوامل السابقة بنسبة ملحوظة بوجود: صديق "إنسان" مقرب "best friend"، أو شبكة علاقات اجتماعية قوية "strong social network"..

    يتبقى السؤال: لماذا إذن يشعر الكثيرون فى عالمنا المعاصر أن وجود صديق من الكلاب أو القطط أفضل من البنى آدمين؟ غالبًا لأن هؤلاء المؤمنين بذلك قد وجدوا من العالم البشرى ما جرح مشاعرهم من خيانة أو كراهية أو أحقاد أو أية مشاعر سلبية مصدرها المقربين.. من العائلة أو الأصدقاء.. لذا يهرب هؤلاء، وهم غالبًا من أصحاب المشاعر المرهفة، ويأخذون مشاعرهم تلك ويفيضون بها على كلب وفىّ مثلًا..

    نعم الإنسان يحتاج أن يحب، ويكون محبوبًا.. ويختار أن يحب مَن يقدر مشاعره ويرد له حبًا بحب.. ولكن مهما كان الكلب صديقًا وفيًا، تبقى حقيقة واحدة لا تقبل الجدل وهى أن التواصل الفكرى لا بد أن يصاحب التواصل الشعورى.. ولا معنى لمشاعر العطف دون إعمال العقل.. ولا جدوى من الوفاء إلا إذا كان مصدره قلب إنسانى وضمير اختيارى وحب إنسانى..

    إيرينى ثابت
    للأعلى