وجهة نظر

جولة شكرى الأوروبية

2017-08-22 11:18:55 |
  • د.أشرف الصباغ
  • بدأ وزير الخارجية المصرى سامح شكرى جولته الأوروبية من العاصمة الروسية موسكو، وهو أمر يعكس أهمية روسيا ومكانتها فى السياسة الخارجية المصرية التى تنطلق فى الأساس من مصالح مصر الوطنية حصرًا.

    لكن الملاحظ خلال المؤتمر الصحفى بين الوزيرين المصرى ونظيره الروسى سيرجى لافروف أن موسكو وضعت كل الملفات الإقليمية والدولية والثنائية على طاولة المباحثات، بل واتسع المؤتمر أيضا للحديث عن العلاقات الروسية – الأمريكية.

    وسائل الإعلام الروسية ركَّزت على الملف السورى بين شكرى ولافروف، ثم تبعته بملفات ليبيا واليمن والأزمة الفلسطينية والإرهاب والعراق والمشكلة مع قطر، فى مسعى واضح لإعطاء انطباع بأن القاهرة وموسكو تسيران على خط واحد.

    ومن جهة أخرى، مرت مرور الكرام على العلاقات الثنائية بين البلدين، وكأنها أمر هامشى أو معضلة لا تزال قيد البحث والتفاوض، لكن الوزير المصرى حدد موقف مصر من كل هذه الملفات، ووضع النقاط على الحروف بشأن تحركات القاهرة إزاء هذه الأزمات والقضايا بتواضع شديد وبالشكل الذى يبرز الدور المصرى بعيدًا عن الطنطنة الإعلامية ودس السم فى العسل.

    وزير الخارجية الروسى أعلن أن هناك تقدما فى المباحثات الجارية بين مصر وروسيا حول استئناف الرحلات الجوية، من دون الحديث عن عودة السياح الروس إلى مصر، وأكد أن هناك بعض التقدم فى عمل الخبراء.

    بينما أعرب شكرى عن تطلع مصر لقرار روسى باستئناف الرحلات، مؤكدا استمرار التشاور بين البلدين فى هذا الشأن، ما يعنى أن مشكلة عودة التحليقات الجوية للطيران المدنى بين البلدين لا تزال تواجه العديد من العوائق والصعوبات، وفى الوقت نفسه تتزايد التلميحات بأن هذا الملف أصبح مسيْسا للغاية، حيث تربطه موسكو ببعض الملفات الأخرى، ما يشير بدرجة أو بأخرى إلى عدم إمكانية حله فى وقت قريب. وبالتالى، لا حديث عن قرار روسى بشأن عودة السياح الروس إلى المنتجعات المصرية، حسب مؤشرات كثيرة.

    هناك أحاديث أخرى تدور حول برجماتية روسية غير مسبوقة فى التعامل مع القاهرة تصل إلى حد "الضغوط" أو استخدام مبدأ "العصا والجزرة" على الطريقة الروسية، ولكن كل الشواهد تؤكد أن القاهرة لن تستجيب لا للضغوط ولا لمبدأ العصا والجزرة، وهذا لا يعنى إطلاقا إفساد كل الملفات الدبلوماسية والسياسية بين القاهرة وموسكو.

    فعلاقات الدول الصديقة كثيرًا ما تتعرض للمد والجزر، وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية ودورها، وقدرتها على تقريب المسافات ووضع البدائل وطرح الحلول. وبالتالى لا مجال لمقارنة العلاقات المصرية الروسية بالعلاقات الروسية التركية، لأننا هنا لسنا بصدد سياسات "كيد النسا"، بل بصدد سياسات عقلانية ومنافع ومصالح متبادَلَة.

    ومصر فى نهاية المطاف ليس لديها أى طموحات استعمارية أو إمبراطورية، ولا تسعى للتدخل فى شؤون الدول الأخرى، بل تعتمد مبدأ الحياد الإيجابى والتعامل بحذر وذكاء مع الأحلاف والتكتلات، وتدعو دوما للحوار فى تسوية الأزمات، انطلاقا من مصالحها الوطنية حصرًا.

    المهم هنا أن وزير الخارجية الروسى كشف عن أنه فى ديسمبر الماضى تم التوقيع على العقد الأساسى لمشروع محطة الضبعة النووى. وأشار إلى أن هناك 3 عقود أخرى سيتم توقيعها لاحقا، ما يعنى أن القاهرة متيقظة تماما وتتعامل بهدوء مع هذا الملف الحساس والمكلف للغاية.

    ومن الواضح أن موسكو مهتمة ليس فقط بمشروع الضبعة، وإنما بجملة من المشروعات العملاقة وغير العملاقة الأخرى على طريقة "الرزمة"، ولكن هذه المشاريع لا تزال إلى الآن فى إطار البحث والمفاوضات، لأنها ببساطة تحتاج إلى دراسات وتقييمات دقيقة لما لها من تأثير مباشر على الأوضاع الاقتصادية والسياسية الحالية والمستقبلية لمصر، وكذلك على آفاق تحركات الدولة المصرية فى المجالات الجيوسياسية والأمنية المصرية ونفوذ مصر الإقليمى، وعلاقاتها بدول الجوار ودول المنطقة ككل.

    هناك نقطة أساسية أخرى فى جولة شكرى الأوروبية التى تأتى فى توقيت مهم للغاية يعكس يقظة الدبلوماسية المصرية وحنكتها، فالوزير المصرى يزور أيضا بعض دول البلطيق "إستونيا وليتوانيا"، وذلك انطلاقا من حرص القاهرة على تنويع علاقاتها وعدم التدخل فى شؤون الدول الداخلية والبينية.

    ومن الواضح أنه يبحث ملفات مختلفة مع مسؤولى هذه الدول، أى لا ينبغى الربط غير الدقيق بين هذه الزيارات فى إطار الجولة، وبالطبع من الممكن أن تستخدم كل دولة هذه الزيارات كما تريد، وتعطى الانطباعات التى ترغب فيها حتى ولو كانت على مستوى التداول الإعلامى. المهم هنا أن تحقق الدبلوماسية المصرية أكبر قدر من مصالح البلاد حصرًا.

    ربما يكون ملف ترشيح مشيرة خطاب لليونسكو أحد أهم أهداف هذه الجولة الدبلوماسية لسامح شكرى، وهو أيضا اختبار مهم لعلاقات مصر مع العديد من الدول، وعلى رأسها روسيا ودول البلطيق وبعض الدول الأوروبية الأخرى، ورغم التفاؤل الكبير بإمكانية نجاح المرشحة المصرية، إلا أن أى احتمالات أخرى لا تقلل من شأن السيدة مشيرة خطاب، ولا من قيمة الدبلوماسية المصرية وتحركاتها.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49 الكمَّاشة الأمريكية التركية حول روسيا 2018-01-30 13:07:18 حوارات الطرشان فى سوريا 2018-01-23 14:12:34 المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة 2017-12-19 10:34:01 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية 2017-11-28 12:44:19 وفعلها بوتين 2017-11-21 11:30:53 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30
    للأعلى