وجهة نظر

سرير بروكراستوس

2017-08-20 11:49:48 |
  • إيرينى ثابت
  • كان بروكراستوس فى الأساطير اليونانية حدادًا ماهرًا، لكنه كان يقطع أرجل ضيوفه طوال القامة الذين لا تتفق أطوالهم مع سريره، بدلًا من أن يقوم بتصنيع أسرّة مختلفة الأحجام!!

    بروكراستوس هو ابن بوسيدون إله البحر والماء.. وكان يسكن على الطريق إلى أثينا ويستميل المارة ليستريحوا عنده حتى ما يعيد تشكيلهم طبقًا لمقاسات سريره.. وكان يستخدم مطرقته وأدواته الثقيلة فى تلك العملية المرعبة.. فإذا كان الضيف طويل القامة قطع بروكراستوس جزءا من رجليه.. وإذا كان قصير القامة يدق بروكراستوس رجليه بالمطرقة حتى ما يزيد طولهما ويناسب سريره.

    وبالرغم من قسوة بروكراستوس، بل وحشيته التى لا مبرر لها، وجد العالم الحديث أن كثيرين يتصفون بالوحشية ذاتها.. ولا يقبلون بالناس كما هم بل يقومون بقولبتهم حتى ما يناسبوا مقاسات محددة وقوالب ضيقة أو واسعة تبعًا لأهوائهم.. وصار بروكراستوس أيقونة القولبة السلبية، واستخدموا اسمه، واستعاروا فكرة سريره لوصف كل ما يقولب الناس أو الإبداع أو الفكر أو حتى اللغة.

    ولكننا، وأحيانًا دون أن ندرى، نكسر الآخرين أو ندق بمطارقنا عليهم لنقصرهم أو نطولهم حسب سرير بروكراستوس الساكن فى عقل كل واحد منا.. البعض يطرق بقسوة على عقول أبنائهم ليسلكوا كما الآباء، أو ليحققوا ما عجز الآباء عن تحقيقه.. والبعض يطرق على رأس الزوج أو الزوجة ليكون أو تكون قالبًا محددًا بحدود من صلب ليس فيه مرونة البتة.. وإلا فالبديل هو الاستبعاد.. والمدير يكون أحيانًا بروكراستوس.. والمعلم أيضًا.. بل وحتى الصديق قد يستبعدك إذا ما لم تستجب لمقاييسه وقالبه.

    خطورة القولبة فى العلاقات الإنسانية مثلها مثل اللغة تمامًا.. فأنت إذا أردت أن تكتب شعرًا مثلًا.. واعتمدت قالبًا شعريًا ما.. وأخذت بالقوافى والأبحر والأوزان ستجد نفسك مقيدًا بأغلال من حديد لا تسمح لك بالتعبير السلس عن المشاعر والأفكار، وتحصرك فى انتقاء الكلمات المناسبة للقالب الشعرى وليس الكلمات التى بسلاسة تتدفق فى انسيابية النهر وترسم صورًا جميلة ومعبرة، والأهم: حرة!! اللهم إلا إذا كنت شاعرًا ملهمًا متميزًا طبعًا!!

    والعلاقات الإنسانية مثلها تمامًا فإذا قولبت الصداقة مثلًا فى العمر والجنس والنوع والمعتقد والمستوى الاجتماعى والاقتصادى والميول والخلفيات والأفكار المتشابهة.. فإنك إنما تجاهد لكتابة شعر بالفصحى له بحر ووزن وقافية وعدد أبيات واتجاه ولون وجنس أدبى... إلى آخر تلك القوالب اللغوية.. وقد تتحول الصداقة بالنسبة لك إلى تكرار ما تقوله وما تفكر فيه بصورة باهتة عند صديقك المقولب.

    أما إذا كانت العلاقات الإنسانية بالنسبة لك هى قبول للآخر كما هو.. والبحث عما يوجد فيه من مواطن جمال، بل واختلاف، وتنميتها وتشجيعها.. بل وحبها.. فسوف يرى هو فيك أيضًا مواطن جمالك واختلافك ويحبها.. ولا تنسى أنك أنت نفسك كأب أو زوج أو صديق أو مدير لك ما لك وعليك ما عليك.

    نسيت أن أخبرك بنهاية بروكراستوس المأساوية.. ففى يوم من الأيام كان ثيسيوس البطل الأسطورى، الذى يعاقب الأشرار من جنس شرورهم، مارًا فى الطريق إلى أثينا.. وبدلًا من أن يضعه بروكراستوس فى سريره، قام ثيسيوس بوضع بروكراستوس فى السرير القالب.. ويا للمفاجأة!!! لم يتناسب مقاس بروكراستوس مع السرير!!!! فقام ثيسيوس بمعالجة الأمر تمامًا كما كان بروكراستوس يفعل مع ضيوفه أو ضحاياه.. وقُتل بروكراستوس على سريره وانتهت قولبته فى الأساطير ولكنها لم تنته فى عالم الواقع مع الأسف!!

    يتبقى أن أقول إننى من عشاق القوالب الشعرية والشعر المقولب.. فقط إذا كان الشاعر عبقريًا موهوبًا مالكًا للغة، يقولبها هو، ولا تقولب هى مشاعره.. أى يصنع هو سريرًا تلو سرير بمهارة ومقاسات مناسبة تطلق أفكاره ومشاعره وتجعل من أبياته طيورًا تحلق بنا فى سماء عالم الأساطير ولا تقيد أرجلنا بقيود الأرض.

    إيرينى ثابت
    للأعلى