وجهة نظر

الطبلية

2017-08-19 10:24:06 |
  • أحمد سليم
  • ظل ترابط الأسرة المصرية مضرب المثل قرونا عديدة، وفى طفولتنا نحن جيل الستينات كانت طبلية الغذاء فى الريف أو فى المدينة هى الاجتماع اليومى للأسرة، يستعرض فيه الأب والأم والأولاد كل قضاياهم.

    كان اجتماعًا مقدسًا لا يغيب عنه فرد إلا بعذر قاهر فى مثل تلك الأيام، كان الأب يعلم كل شىء عن أسرته بالتفاصيل الكاملة يستمع ويوجه ويتابع.

    انتقل هذا النظام الأسرى إلى أماكن العمل، كان رئيس العمل يتابع عماله ويحفظ أسمائهم، كان رؤساء العمل يحرصون على حل مشاكل عمالهم ومرؤوسيهم.

    أذكر أنه كان بجوار منزلنا بالقرية مساكن الدريسة التى يقطنها عمال السكة الحديد المكلفون بصيانة الخطوط، وأتذكر كثيرًا ما كنت استمع إليهم فى جلساتهم المسائية، وأنا فى حديقة المنزل كنت أسمع مناقشتهم حول مشاكل عملهم وما لاحظوه على مدار اليوم وكان الريس كما كان يطلقون على رئيسهم يستمع إليهم ويوجه ليس فقط فى العمل ولكن فى كل مناحى الحياة، رأيت وتابعت ذلك فى كل أماكن العمل التى اقتربت منها وأنا صبى.

    أتذكر المشرف الزراعى وعلاقته بالفلاحين ووجوده وسط حقولهم، أتذكر صراف القرية وعلاقته بالأهالى، أتذكر حتى ضباط النقطة وكان أحدهم صديقا لوالدى رحمهما الله، وكان يحرص على لقاء أبناء القرية بشكل شبه يومى ويفخر بأن فى فترة توليه رئاسة النقطة لم يدخل أحد أبناء القرية مركز الشرطة لأن مشاكلهم كانت تحل فى دوار العائلة وتحت إشراف العمدة وشيوخ البلد، كانت هناك علاقات جيدة بين الكل.

    عندما عملت فى الهيئة العامة للكتاب فى الثمانينات، التقيت بالدكتور سمير سرحان، رئيس الهيئة، والكاتب صلاح المعداوى، المشرف على الإعلام بالهيئة، عملنا معا أكثر من 15 عامًا، كانت السمة الأساسية للتعاون والعمل هى نفس طريقة طبلية الأسرة فى الريف.

    نلتقى يوميا أنا والدكتور سمير سرحان ومبدعون كبار قامة وقيمة منهم الدكتور فوزى فهمى، والدكتور جابر عصفور، والدكتور عبد العظيم رمضان، قامات كبار كانت أسعد لحظاتهم هى اللقاء مع عمال المطابع والمسؤولون عن النشر، كانت هناك منظومة متكاملة، رئيس العمل يحاول أن يوفر ظروفًا مناسبة للعمل، والمرؤوسون يحاولون أن يعبروا أزمات العمل ويصنعون حلولا لكل المشاكل.

    كان الدكتور سمير سرحان يسأل عن أى عامل يغيب أو موظف يفتقد وجوده وكان يعرف اسلوب عمل كل واحد يترك كل منا يبدع ويجتهد، هذه كانت سمة جهات العمل الناجحة، أب لأسرة يتابع ابناءه وبناته، رئيس للعمل يحرص على مرؤوسيه ويحل مشاكلهم.

    كانت المتابعة سمة لكل من يتولى العمل وهذا ما نفتقده حاليًا، روح الأسرة ومتابعة الأب، لم يعد الأبناء يلتقون على الغذاء ولا العشاء ولا الأفطار إلا فى شهر رمضان أو فى عيد أو فى حفل زفاف لم يعد الأب يعرف مشاكل أبناءه ولا يساعد فى حلها، وافتقد الجيل الجديد الأب الموجه وإن لم يفتقدوا الأب الممول، فى العمل أيضًا عندما توليت قيادة بعض الأماكن كان الكثيرون يتعجبون أننى معهم يوميًا، وقال لى بعضهم لم نرى سابقك مرة واحدة إلا فى إفطار رمضانى، وافتقد أيضا المرؤوسين رئيسهم الأب والأخ الأكبر، والمتابع وإن لم يفتقدوا تأشيرات رئيسهم على العقاب أو الثواب.

    افتقدنا روح الأسرة والمتابعة ولذا تقع يوميًا حوادث لا نتعلم منها وتتوقف مشروعات لا نعرف سبب فشلها، لأننا فقدنا المتابع، ومن هنا أيضا يأتى نجاح مشروعات القوات المسلحة لأنها لا تفتقد روح الأب والقائد والمتابع، فالقائد يعرف تماما جنود كتيبته وإمكانيات كل جندى وتفكير كل ضابط صغير، هناك فى مشروعات القوات المسلحة وليست القتالية فقط نجد ان هناك تفاهما بنظرات العيون وتقاربا بين دقات القلوب.

    إذن أحد أهم أسباب النجاح هو المتابعة وأيضا تواجد كبار المسؤولين وسط مرؤوسيهم يوميًا، لو عادت طبلية الطعام للأسرة، ولقاء الرئيس والمرؤوس، سنجد أسلوب عمل وحياة ونجاح، لو عادت المتابعة الدقيقة والصحيحة كل يوم لن نجد قطار بدون صيانة لمدة 30 عامًا، ولن نجد مستشفى ولا ماكينة مصنع تعمل بحالة سيئة، لو عدنا إلى روح الأسرة الحقيقية سننجح فى حل جميع مشاكلنا.

    أحمد سليم
    للأعلى