وجهة نظر

ذاكرة طاولة قديمة!

2017-08-17 10:08:36 |
  • يسرى الفخرانى
  • يسرى الفخرانى‎

    ذهبت إلى مقهى قديم فى وسط البلد، مقهى بسيط، مقاعد صغيرة وطاولات خشبية ترك عليها كل عابر قهوة تذكارًا بقعة بن أو قطرات شاى بحليب أو حريق من آثار سيجارة تركت مشتعلة على الحافة.

    لا تخلو الطاولات من محاولات حفر حروف لأسماء أو توقيعات بالحبر وتواريخ قديمة لإنسان مر من هنا. المقهى بجوار محطة القطار التى تحمل كل المسافرين إلى بلادهم البعيدة أو القادمين بأحلام من بلادهم الفقيرة.

    من 20 سنة لم أدخل هذا المقهى. كان ملجأى الشتوى فى أيام السفر. أجلس خلف نوافذه الزجاجية الفقيرة المشبعة بالبصمات أتأمل الميدان الذى تطل عليه بكل صخبه.

    لماذا جئت اليوم هنا؟

    هل جئت بحثًا عن ذكريات؟ عن ماضى؟ عن توقيع تركته محفورًا على طاولة ما؟

    20 عامًا ذهبت.. وأنا ذهبت معهم إلى أماكن أخرى.. إلى طاولات فى مدن وطاولات فى شوارع ضيقة وفى أبراج مرتفعة وفى أزمنة متعددة. أبحث عن البشر.. أبحث عن بشر فى لحظات الهروب إلى مقعد وطاولة وقهوة ودخان وتأمل.

    المقاهى.. عالم عميق مثل أشجار عتيقة أو بحر يذهب عنه عشاقه ويبقى هو فى مكانه.. يمحو آثار الأقدام لكنه لا يمحو الذكريات بكل حضورها.

    كم مرة سافرت لكى أعود بمجرد طعم فنجان قهوة على مقهى فى مدينة بعيدة.

    أحب مقاهى القاهرة وبيروت والإسكندرية وباريس وروما وأثينا وقبرص. أحب هذه الصناديق الصغيرة التى تحملنا على رائحة القهوة والدخان إلى عالم بعيد. أحب.. صداقات المقاهى التى تبدأ هنا وتنتهى عابرة بوعد بلقاء لن يأتى ولن يتكرر.

    هذا مقهى وسط البلد.. أعود له وفى نفسى حنين لصوت "القهوجى" وهو ينادى: قهوة مضبوط على مية باردة!

    لدولاب قديم يحمل وما زال راديو قديم يذيع فى الليل أغنيات أم كلثوم فقط.

    صورة المعلم على الحائط مكللة بشريط أسود. المعلم "تعيش إنت".. رحل الرجل الذى كان دخان نرجيلته ملء المكان.

    المقهى الذى له باب موارب على الميدان.. لا يغلق أبوابه أبدًا، لا صيفًا ولا شتاءً، لا ليلًا ولا نهارًا، يستقبل زوارًا على المدى.. عتبته الرخامية "برتها" الأيام.. ذابت تحت وقع الأقدام.. لكن لم يغير أحد العتبة.. العتبة فى الأسطورة إما أن تكون مصدر سعادة أو مصدر تعاسة.. فإذا صادفت عتبة السعادة فتمسك بها.

    أبحث عن نفس المقعد.. نفس الطاولة التى غادرتها منذ 20 سنة.

    أجتهد جدًا أن أتذكر..

    هنا، تحت هذه المروحة التى تتدلى من سقف رمادى.. أطلب فنجان قهوتى.. فيأتى لى فنجانًا مكسور الحواف.. لم أشربها لكنى رحت أتأملها كما أتأمل 50 مقعدًا فى المكان و30 طاولة.. من جلس على كل طاولة ومضى؟ من ذهب إلى حلمه ومن ذهب إلى حتفه؟ من عبر إلى هنا لكى يبدأ حياته فى المدينة المزدحمة ومن عبر لكى يهرب منها؟

    هذا مقهى عمره 100 عام..

    بعض الدول لا تملك هذا العمر.. لا تملك 100 عام.. لا تملك عدد من مروا على طاولات هذا المقهى.. زمنا بعد زمن.

    فى المقاهى نمتلك طاولة لبعض الوقت.. ثم تصبح لنا بعد ذلك مجرد مساحة تركنا فيها كلامًا كثيرًا وضحك ودهشة وصراعًا وحساب.

    لو جمعنا ذكرياتنا التى تركناها على طاولات المقاهى.. لأصبحنا أعظم مؤلفى الروايات.

    يشغلنى سؤالًا دائمًا فى هذا المقهى العجوز الذى أعود إليه متسللًا إلى ذكريات: إلى متى يصمد المقهى؟ ومتى سيتحول حتمًا إلى كومة تراب ثم عمارة فاخرة مرتفعة تطل على الميدان بعد أن تدفن كل ذكريات آلاف جلسوا هنا ومروا من هنا؟

    مهما صمدت. يومًا ستتحول إلى خرابة فى أول مشوار الهدم. هل من حق أحد أن يهدم الذكريات.

    هل أصبح الجيل الجديد محظوظ أكثر من جيلى لأنه لا يترك أثرًا لذكريات أو حنين على طاولة مقهى أو مقعد؟ حتى المقاهى الجديد لم تعد تحتمل طاولات الخشب فصنعتها من البلاستيك. وأصبحت تجدد طاولاتها من سنة إلى سنة.. وتنتقل أصلًا من مكان إلى مكان.. كأنها عمدًا لا تريد أن تترك لنا أى محاولة لكى نصنع ذكريات وحنين وأيام نعود إليها؟

    المقاهى القديمة لا تقاوم.. وتغلق ضلفها استعدادًا لرحيل نهائى.

    من يمر على تلك المقاهى لكى يجمع لنا ذكرياتنا فى كف يدنا.. هل تكون الحياة طيبة دون ذكريات؟

    كان لى مقهى أجلس عليه فى محطة الرمل فى الإسكندرية.. لحقت اليوم الأخير لإغلاقه.. شربت فنجان قهوتى الأخيرة فى نفس النافذة المميزة التى تطل على البحر.. وحين جئت أغادر كان لى طلبًا عند صاحب المقهى: هل يمكن أن أحتفظ بطاولتى ومقعدى الذى شهد سنواتى الجميلة. وابتسم الرجل فى شهامة رجل نبيل.. وحملت طاولة قديمة ومقعدًا إلى سيارتى.. طاولتى القديمة التى حفرت عليها كلاما كثيرًا ومقعدى الذى تحمل منى شجنًا وقلقًا..

    يسرى الفخرانى
    للأعلى