وجهة نظر

المشير حفتر بين روسيا والغرب

2017-08-15 08:19:08 |
  • د.أشرف الصباغ
  • لا شك أن روسيا حريصة أشد الحرص على استئناف العلاقات مع ليبيا، لأنها ببساطة من أكثر الدول التى تضررت برحيل معمر القذافى.

    ولكنها فى الوقت نفسه لا تستطيع أن تغامر بانتهاك القرارات الدولية التى تحظر على ليبيا استيراد السلاح. والمسألة لا تقتصر على توريد السلاح الروسى إلى ليبيا، وإنما تمتد إلى عقود واتفاقيات ومشاريع كانت موجودة إبان حكم الرئيس القذافى.

    لقد رحبت روسيا بسعى القائد العام للجيش الوطنى الليبى خليفة حفتر، فى زيارته الأخيرة إلى موسكو، للتوصل إلى اتفاق مع حكومة الوفاق الوطنى، مؤكدة ضرورة إشراف الأمم المتحدة على كافة جهود الوساطة. وقال وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف، فى مستهل لقائه مع حفتر، إن "الوضع فى ليبيا لا يزال معقدا، ولم يتم تجاوز خطر التطرف فى وطنكم. ولكننا نعلم بالتدابير المتخذة وندعم بنشاط التوجه نحو تنشيط العمليات السياسية وإعادة بناء الدولة بشكل كامل.. ويبدو لنا أنه يجب، فى الجبهة السياسية الآن، تركيز كافة مبادرات الوساطة فى إطار عمل الأمم المتحدة".

    هذا التصريح الروسى المهم يأتى ربما ردا على ما يدور حول أن روسيا تسعى إلى وساطات خاصة فى ليبيا تسمح لها بموطئ قدم ثابت فى ظل تهافت وتدخلات العديد من الأطراف الدولية. وبالتالى، فهذه ليست المرة الأولى التى تثمن فيها موسكو جهود الأسرة الدولية فى إجراء تسويات للأزمة الليبية، وتدعو إلى ضرورة وجود غطاء أممى لحل هذه الأزمة. وربما تأتى هذه التصريحات لفرملة وسائل الإعلام الروسية والمحللين عن التحليق بعيدا والانفصال عن الواقع وتوريط السياسة الروسية بتفسيرات وتأويلات أقرب إلى الشعوذة السياسية.

    لقد قامت وسائل الإعلام الروسية بحملة غير معروفة الأهداف روَّجت من خلالها أن رئيس حكومة الوفاق الوطنى فايز السراج سيتواجد فى موسكو أثناء وجود حفتر، فى إشارة إلى إمكانية إجراء وساطة روسية، أو على الأقل لإعطاء انطباع بأن هناك وساطة روسية، ما فسره المراقبون بأنه خطوة لدق إسفين بين حفتر وحلفائه من جهة، والسراج وحلفائه من جهة أخرى. وكذلك من أجل إعطاء انطباع بأن موسكو تقوم بالفعل بوساطة مخفية بين الطرفين كشكل من أشكال المبالغة فى قدرات وتحركات روسيا. ولكن الخارجية الروسية دأبت فى الفترة الأخيرة على إنكار ذلك على الرغم من تلميحات وسائل الإعلام فى روسيا. غير أن قطاعا آخر من المراقبين يرى أن موسكو تحاول بشتى الطرق الدخول على خط الأحداث الليبية والاستفادة من التناقضات الإقليمية والدولية لتحقيق أهداف محددة فى ليبيا، مرتبطة بملفات أخرى تخص علاقات روسيا مع دول غربية وإقليمية، وتتعلق بملفات عالقة، سواء فى منطقة الشرق الأوسط أو فى مناطق ساخنة أخرى.

    المشير حفتر زار موسكو فى نوفمبر 2016، وأجرى مباحثات مع وزير الخارجية سيرجى لافروف ومسؤولين فى وزارة الدفاع الروسية. وطالب الجانب الليبى آنذاك مساعدة روسيا فى رفع الحصار الأممى عن تصدير السلاح، وذلك فى تلميح إلى إمكانية أن تستأنف ليبيا استيراد السلاح من روسيا فى حال نجحت موسكو فى رفع الحصار أو تخفيفه. ولكن روسيا أعلنت أنها ملتزمة بالقرارات الأممية، وفى الوقت نفسه ستساعد ليبيا فى "توجهاتها" نحو مكافحة الإرهاب. غير أن موسكو لا تحدد بالضبط "أى ليبيا وبقيادة مَنْ". أى أنها تدعم مواصلة الحوار بين المشير خليفة حفتر ورئيس المجلس الرئاسى لحكومة الوفاق الوطنى فى ليبيا فايز السراج من أجل التوصل إلى ما يسمى بـ "المصالحة وطنية". ولكن يبدو أن هذه الرؤية ليست فقط متعثرة للغاية ولا تجد مساحة كافية فى المشهد الأكثر تعقيدا، وإنما رؤية تبسيطية جدا للمشهد السياسى والميدانى الليبى.

    فى نفس هذا السياق، التقى حفتر مع وزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو لبحث الوضع الأمنى فى ليبيا وفى منطقة البحر الأبيض المتوسط. ما يعنى أن روسيا لديها رؤية وتسعى لأهداف معينة، ولكن يبدو أنها لم تبلور هذه الرؤية بشكل كامل فى ظل تعقيدات المشهد وتشابكاته، وإنما تدير مباحثات متعثرة مع المشير حفتر بشأن إحياء عقود اقتصادية قديمة، ربما مقابل دعم قرارات أممية. وعلى الطرف الآخر، يطلب حفتر جهود موسكو لفك الحصار على توريد السلاح إلى ليبيا مع الحفاظ على توازناته الدولية والإقليمية. وهو الأمر الذى يبدو فى غاية الصعوبة.
    الأمر الآخر المهم يتعلق بأن الجانب الروسى يرغب فى تنفيذ عدد من المشروعات الأخرى التى تبدو سياسية وجيوسياسية فى ليبيا أو بالقرب منها، وهو ما يحيط مباحثات الطرفين بالعديد من الصعوبات.

    د.أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49
    للأعلى