وجهة نظر

يا وابور قوللى رايح على فين؟

2017-08-12 10:06:52 |
  • أحمد سليم
  • يا وابور قوللى رايح على فين؟

    كان قطار السادسة والنصف القادم من مدينة السنطة، والمتجه إلى طنطا هو أول علاقتى بالقطارات، ولمدة ثمانى سنوات كاملة، كان هو وسيلتى الوحيدة للوصول إلى المدرسة ثم إلى الجامعة، وبشكل يومى يبدأ مع إشراقة الشمس وينتهى مع نهاية اليوم تبعا لمواعيد السفر والدراسة، ومنذ ذلك الحين وحوادث القطارات لم تتوقف.

    وأذكر منها حادث اصطدام القطار بأتوبيس ركاب فى الستينات، أمام مزلقان قريتى، وراح ضحيته العشرات من أبناء القرية والقرى المجاورة، ولا زالت صور أشلاء الجثث ماثلة فى خيالى، ولم يمر عام إلا وأقرأ أو أتابع حادث قطار ما بين حريق قطار الصعيد، والذى كان كارثة لم يحاسب عليها أحد، ومرورا بمئات الحوادث، والتى تنتهى أغلبها باقالة رئيس الهيئة، وتعيين آخر ينتظر حادثا ليقال.

    كل هذه الحوادث يقف الإهمال شريكا فيها، إهمال بشرى من خفير مزلقان أو قائد قطار أو إهمال فنى بعدم تجديد أو صيانة معدات، قطارات هيئة السكك الحديدية فى مصر هى أهم وسيلة مواصلات، ما زال للفقراء ومحدودى الدخل والطلبة والعمال مكان فيها، وكانت وما زالت وسيلة نقل مهمة بين المحافظات، وفى الوقت الذى أنشأنا فيه قطارات المترو، ونسعى بجدية لإنشاء قطار مكهرب نقف مكتوفى الأيدى أمام تطوير قطار السكك الحديدية الأقدم والأهم.

    خطوط السكك الحديدية فى مصر كانت الثانية على مستوى العالم فى الأقدمية من ناحية الإنشاء، وأذكر أنها كانت فى الستينات وسيلة محترمة، نذكر جميعا ديوان القطار المغلق على العائلة الواحدة، ونذكر مفتش القطار وهو يدق بأدب على باب الديوان ليتابع تذاكر الركاب، أتذكر كيف كانت الرحلة من القاهرة إلى أسوان بالقطار رائعة سواء فى كبائن النوم، أم عربات أخرى، وأتذكر عربة بوفيه القطار الرائعة، أتذكر كل ذلك وأنا أركب القطار حاليا، لنرى اهمالا جسيما فى نظافته وطريقة تعامل العاملين فيه مع الركاب، و‘همالا فى تكييفه، فما بالك بقطارات الدرجة الثالثة، والتى أطالع حالها من الخارج أحيانا وأنا أسافر عبر طريق زراعى على جانب شريط للسكك الحديدية.

    ذكريات القطار معى عديدة، فقد تلقيت خبر وفاة عبد الحليم حافظ، وأنا فى قطار الزقازيق صباحا، متجها إلى كليتى، وتلقيت خبر وفاة عمى وأولاده، وأنا عائد فى القطار من القاهرة ذات مساء سىء، وأيضا فى القطار وعبر رحلة استمرت لسنوات فى بداية العمل من طنطا إلى القاهرة عرفت جيلا من المستشارين والصحفيين وأساتذة الجامعة.

    القطار كان وما زال يشكل جانبا من حياتنا اليومية، وحكومتنا الحالية، وكل السابقات يهملن بشكل ممنهج فى حق القطار، السؤال الدائم ماذا بعد كل حادث؟ أمس حوالى الثلاثين دفعوا حياتهم ثمنا لإهمال فى تحديد سرعة قطار أو عدم تحديد مكان عطل لقطار آخر، وسينتهى الأمر لإحالة البعض للمحاكمة ثم إقرار مبلغ تعويض للضحايا وننسى بعد ذلك كل شىء ونتذكر فقط عند وقوع حادث جديد.

    نرجو أن يظهر السيد وزير النقل، وهو أستاذ جامعى هذه المرة، ومعه حلول لمشاكل هيئة السكك الحديدية، تبدأ من الصيانة، وكنا فى الستينات والسبعينات، نرى مفتش الهندسة يمر على القضبان، وكان هناك مفتش لكل منطقة يمر يوميا عليها، يتابع وضع القضبان والفلنكات والإشارات، فقدنا هذه المتابعة وانتشر الإهمال، كانت هناك بيوت لعمال السكك الحديدية كل حوالى 10 كيلو مترات، ليتابعوا المنطقة التى يعملون بها يوميا واليوم فقدنا ذلك.

    أخطاء عديدة ومختلفة تكون دائما نتيجتها ضحايا بالعشرات أو المئات ثم تبريرات لا طائل منها، القضية الآن كيف نواجه ما يحدث، والحل فى يد رئيس هيئة الرقابة الإدارية، محمد عرفان جمال الدين، ورجاله ليفحصوا هذا الملف جيدا ويضعوا الحلول، ويواجهوا الفساد فى هذا المرفق المهم، وعلى التوازى فى يد الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ليكون هذا الملف مشروع تطوير وتحديث السكك الحديدية مشروعا جديدا يضاف إلى ما حققته وتحققه على الأرض، نعم كلا الهيئتين لديها هموما كثيرة ولكنه قدرها، فالإهمال يحتاج إلى مواجهة حاسمة، والبناء يحتاج إلى أيادى شريفة وفكر متطور وإحساس بالمسؤولية.

    فلنبدأ حتى لا يتحول السؤال "يا وابور قولى رايح على فين" من أغنية إلى سؤال بإجابة واحدة الوابور رايح سكة إلى يروح مايرجعش.

    فلنعمل حتى يصل الوابور إلى محطته الأخيرة بسلام.

    أحمد سليم
    للأعلى