وجهة نظر

خير من ألف ميعاد

2017-08-10 09:41:28 |
  • إيرينى ثابت
  • يقولون: "رب صدفة خير من ألف ميعاد".. ونعم أؤمن بهذا المثل جدًا.. أسير فى طرقات الكلية فأقابل بالمصادفة أستاذى الكبير..

    ما زال كما هو منذ عشرات السنوات بكامل صفاء الذهن، وحسن الانتباه، وذوق الأجيال القديمة، وبشاشة الوجه حين يلقى تلاميذه.. وما زال شكله كما هو وكأن السنون لا تجد الطريق إليه.. ليس حسدًا، كما نقول فى مجتمعنا المصرى.. ها قد أمسكت الخشب.. أستاذى هذا سيقلب لك موازين حسابات العمر وتقدمه.. وكأن العمر له قانون آخر غير عدد السنوات وتاريخ الميلاد..

    بمجرد أن لمحته وبصوت عال قلت: "أهلا يا دكتور.. أنا حظى حلو النهارده".. التفت وفى أقل من ثوان كان ينطق باسمى متهللًا برؤيتى كما أنا برؤيته.. ومتذكرًا اسمى، ومن أكون، وكل شىء عنى، وعن أسرتى، التى سأل عليها فردًا فردًا.. يا سبحان الله!! أنا لا أتذكر أسماء الطلاب الذين أقوم بتدريسهم أبدًا!! صحيح أنه كان المشرف على رسالتىَّ ولكن هذا كان منذ عصور مضت..

    وقفنا بعض الوقت وتبادلنا الحديث ولاحظت أنه كما هو فى هدوءه وسلامه واستقراره النفسى وتوازنه العقلى.. وما زالت تلك النظرة البحثية فى عينيه الذين أرهقتهما القراءة ولكنها لم تطفئ فيهما بريق حب المعرفة وشغف الباحث الذى لا ينضب!!

    تساءلت لماذا وهو قد شارف على التسعين من العمر يشغف بالعلم ويحتمل هذه الحياة الثقيلة السخيفة التى هى قطعًا بالنسبة لذلك الجيل الذى ينتمى إليه أستاذى حياة أثقل وأسخف ألف مرة مما نراها نحن؟ لماذا يحمل كتابين فى يده اليسرى ويحتضنهما بجانب قلبه تاركًا ليده اليمنى الحرية حتى ما يسلم على هذا وذاك دون أن يبعد الكتب عن قلبه؟ تمامًا كما كان منذ رأيته أول مرة عندما كنت طالبة صغيرة!! لماذا يستمر فى البحث والتأليف وإصدار الكتب والإشراف على الرسائل ويبقى فاعلًا ومتفاعلًا مع كل ما يمكن من الأنشطة الأكاديمية والأحداث الثقافية؟

    لا أدعى أننى أعرف إجابة محددة.. وبخاصة وأنا أرى من حولى شبابًا ينهارون، ولا يقوون على مواجهة الحياة والخوض فى معاركها.. ويملّون الحياة قبل أن يبدأوها.. فكيف بالكبار أن يسعدوا بها ويتفاعلوا معها وتبقى إيجابيتهم بل وتفاؤلهم بها بهذه الصورة؟

    ربما يكون الهدف الواضح والمحدد بل والمحدود هو سبب هذا.. فأستاذى هو راهب علم، كرس حياته للبحث والمعرفة والتأليف بجانب رسالته التعليمية الأكاديمية التى لم تتوقف حتى الآن.. هو يعرف من هو، وما هى إمكانياته، ويؤمن برسالته تلك إيمانًا لا يتزعزع.. وفى مقابل هذا يقبل التحديات، بل ويبحث عنها.. يقاوم الصعاب.. يتجاهل السفائف.. لا يسمح بالمعطلات أن تقف فى طريقه.. يؤمن أن كل يوم يمنحه الله له فى عمره هو فرصة جديدة لإنتاج متميز..

    هو أيضا يؤمن بالتخصص.. فهو لا يجتاز منطقة معارفه أبدًا.. ولا تطأ قدماه حقولًا قد تعطل مسيرته أو تشتت ذهنه أو تغوى عينيه.. لذا قلنا أنه راهب علم.. بل وأعتقد أنه يهتم بصحته الجسدية والنفسية حتى ما لا يتعطل عن مشواره الأكاديمى!! لقد صارت متعته فى الحياة أن يبحث ويكتب ويبدع!!

    ثم تساءلت هل ما زالت لدينا فى الأجيال الأحدث والأحدث نماذج مثل أستاذى؟ ليس فى الحياة العلمية فقط، بل وفى كل التخصصات؟ هل هناك من يعرف طريقه بوضوح، شرط ألا يكون هذا الطريق هو مصلحته الشخصية، وقوقعته الانفرادية، ومتعته الوقتية!! هل هناك من يقبل التحديات وينظر للحياة على أنها بناء كبير وله هو فيه دور أساسى، يصحو كل يوم ليقوم به؟ شرط ألا يكون دوره هو تأمين الحياة المادية له ولأسرته!! يبدو أن هذه الشخصيات قد تناقصت بشكل كبير فى العالم كله لذا زادت نسبة الاكتئاب والأمراض النفسية..

    قال لى أستاذى: "But you still look young, dear".. ضحكت فى داخلى وأنا لا أعلم إن كان يجاملنى أم يرى، وهو الكبير والشيخ، أننى بالنسبة له "young".. ولكننى لم أصرح له بإجابتى التى قلتها فى نفسى "But I don’t feel young, dear Doctor".. رب صدفة لقاء ينير الحياة خير من ألف ميعاد مع مناقشات حول الحياة!! شكرًا أستاذى!!

    إيرينى ثابت
    للأعلى