وجهة نظر

«الإسكندرية 90»

2017-08-11 14:23:15 |
  • يسرى الفخرانى
  • يبدو لى دائمًا مثل سفينة كبيرة مغروزة على شاطئ.. لم أتأمل مرة شكله تمامًا من الخارج رغم عشقى القديم له، ورغم أن الدور الأرضى القريب من البحر شهد صباحات جميلة وأمسيات أجمل. فندق صغير اسمه "سان جيوفانى".

    من يعرفون الإسكندرية يعرفون تمامًا "سان جيوفانى"، بغرفه الصغيرة الضيقة التى تجعلك بسيطًا وحقيقيًا مستمتعًا بكل لحظات تأملاتك للبحر.

    عرفتُ هذا الفندق زمان، قبل أن يحيط به كوبرى أطلقوا اسم الشاطئ عليه "كوبرى ستانلى".. زمان عام 1990 ، هل أصبح هذا زمانًا؟، وتلك ذكريات؟، وهناك مواعيد وأصدقاء وفناجين قهوة لم تعد متاحة؟!

    إن لم يكن "زمان"، فهذا على الأقل "زمن"، كنت أجلس فى "الدور اللى تحت" .. لأكتب، وأقرأ، وأقابل دراويش الإسكندرية وصعاليكها .. الدور الأسفل فى هذا الفندق الصغير لا يطل على الشارع .. فهو تحت مستوى الرصيف من جهة الكورنيش، ولكنه يلمس البحر من الناحية الأخرى.

    له نوافذ زجاجية تحجب بعضًا من الهواء أو العواصف حين تقوم نوَّة .. وللنوافذ حافة كنا نتنافس فى إشعال الشموع فوقها .. فيحتلنا المكان بالموسيقى، والشموع، والبحر، ورائحة القهوة.. ما أمتع أن تكون هناك .

    البار مان، يقدم لك عصير البرتقال طازجًا، ويعد القهوة على نار هادئة قبل احتلال ماكينات القهوة وسرعتها وطعمها العابر.. يعرف شخص شخص .. إنهم ليسوا زبائنه .. هم أصدقاء زمن .. أصدقاء موائد الإفطار فى السادسة صباحًا، وموائد العشاء بعد منتصف الليل.

    يمكننى الأن أن أتذكر أن لا أحدًا كان يترك فرصة صغيرة ليتأمل الحياة إلا وفعلها.. كان العالم ليس افتراضيًا بعد.. شباب أكثر حماسًا للحياة بكل ما فيها .. أم كنا أكثر عقلًا مما وصلنا إليه بعد عمر قصير؟

    "فى الدور اللى تحت" من الـ "سان جيوفانى"، شعراء وممثلون، وأباء وصحفيون، بنات فى "مريلة" المدرسة يضحكن فى براءة لا حدود لها .. وسيدات يحلمن أن يحتويهن البحر بلا حدود

    يُكتب الشعر، هنا، فى أى مكان على الطاولات.. على النوافذ.. على علب الكبريت.. على مناديل الورق .. على باب الحمام الصغير خافت الضوء فى أخر الممر.
    فى كل الأماكن، وفى كل الأوقات .. متاح الشعر والحب والكلام والغناء والرقص والصخب والصمت .. فندق متطرف لا يعترف بالحلول الوسط ولا بالملامح الوسط ولا بالكلمات الوسط .. ولا بالأوقات الوسط . إما مبكرًا يصحو أو متأخرًا يستقبل الركاب قبل أن تقلع السفينة إلى عالم من الدهشة.

    كانت الإسكندرية أجمل مما أصبحت.. كورنيش الإسكندرية العجوز، ممرات الصعود إلى أزقة البحر الضيقة الصاعدة، حين ذهبت بعد ذلك إلى روما الإيطالية .. وجدت نفس الأزقة الصاعدة ، كأنها إسكندرية واتقسمت نصفين!

    فى هذا الفندق "سان جيوفانى" كانت تمتد سهرات غايتها أن تطول النهار.. أروع المناظر هى أن يفاجئك نور النهار، وأنت تخرج من عتمة ليلية .. النهار عند البحر يولد فى عمق الماء الأزرق الغامق .. تتحول الدنيا إلى جنة فى تلك اللحظة التى ترى فيها النهار يصعد ببرد يتسلل إلى جسدك .. فتريد لو تفسح له كل نفسك وحياتك وذكرياتك .
    هذه سنوات تمر، فيبقى سؤال، هل ضاع العمر فى لا شىء؟!.. سؤال أخر، هل الوقت الضائع فى العمر .. كان يمكن أن يصنع عمرًا آخر أكثر جمالًا؟!

    إنها فلسفة من يفقد الأيام التى معه .. فلا يجد إلا أن يبحث عن أيام لم تعد معه!.. "كل شىء يُفقد فى الوقت الذى نقدِّر قيمته حين نحتاج إليه، فلا نستطيع الحصول عليه".. من أحلام نجيب محفوظ التى كتبها فى فترة النقاهة .. بأصابع شبه عاجزة مرتعشة رعشة العمر والمرض.
    ماذا لو عُدت شابًا صغيرًا؟! أقفز فوق حجارة البحر دون أن أبالى بخطر؟!.. كلنا فى احتياج إلى تلك اللحظة.. إلى إجازة من العمر!

    هل يمكن أن نحصل "وتحصل" على إجازة من العمر بكل مسؤولياته وأعبائه ووقاره، وغبائه وحكمته .. ونعود أحرارًا كما ولدتنا أمهاتنا؟!.. أيدينا فى جيوبنا .. نسير فى الفجر نصفَّر ونغنى ونجرى ونصفق ونحلم ونأكل بالقروش القليلة أى شىء بسعادة؟!

    فندق " سان جيوفانى" مرة أخرى، لماذا كل قصة حب كانت هناك؟ .. تبدأ فى طاولة بجوار نافذة على ضوء شمعة وقمر يطل بجرأة من سماء البحر؟، وتنتهى أيضًا، هناك؟ .. نفس الطاولة .. نفس النافذة .. بفنجانين قهوة وصباح شتوى دافئ؟

    لماذا "الشلة"، تجتمع هناك لكى تغنى؟.. لكى تستمع إلى أخر قصيدة كتبها واحد مننا هذا الصباح؟ لكى نودع صديق مسافر إلى حيث لا يعرف فى هجرة تدوم العمر كله؟
    هناك بكينا .. وهناك ضحكنا .. وهناك نزفنا أحلامنا الضائعة .. وهناك رأينا كل شىء أكثر قربًا من كل الأوقات .. حتى القمر الجرىء الدائم .. حتى حزن البارمان سعيد على فراق ابنه الوحيد غرقا!

    كم مرة .. تكوَّمنا فى زاوية لكى نأخذ العزاء فى صديق عزيز خطفه الموت، وهو يعبر الكورنيش أو يعوم فى بحر الأنفوشى؟

    هل تحتفظ الأماكن بذكرياتنا؟ أم نحن نحتفظ بالأماكن التى نتصور أنها تحتفظ بذكرياتنا؟ أم أن الإثنين، الأماكن والذكريات يحتفظان بنا فى أربع حيطان .. لكى نتعذب بما فيه الكفاية؟!

    يسرى الفخرانى
    للأعلى