وجهة نظر

العقوبات الأمريكية - الأوروبية ضد روسيا.. إلى أين؟!

2017-08-08 11:54:03 |
  • د.أشرف الصباغ
  • لم تكن خطوة موافقة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بشأن الموافقة على نظام العقوبات الجديدة ضد روسيا غريبة أو مفاجئة.. وفى الحقيقة، لم تكن العقوبات الأوروبية والألمانية ضد روسيا أيضًا مفاجئة.

    كل ما فى الأمر أن الإدارة الروسية تفهم جيدًا الوضع على حقيقته، بينما وسائل الإعلام الروسية هى التى تبدو قادرة على إفساد كل مساعى القيادة الروسية، ربما لانعدام المهنية، أو التسرع، أو محاولة إثبات الوطنية والولاء.

    القيادة الروسية تتعامل بحكمة، ولا ترغب فى دفع الأمور إلى منعطفات قد تضر بجميع الأطراف، وتحقق للصقور والمتطرفين من جميع الأطراف رغباتهم ونزواتهم الشريرة بالمعنى السياسى، والاقتصادى، والفلسفى.. لقد أعلن الكرملين أنه يُشاطر رأى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأن العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة وصلت إلى مستوى خطير للغاية هو الأدنى على الإطلاق.

    وبالطبع فترامب لم يكن بمقدوره حتى استخدام حق "الفيتو"، لأن هناك شبه إجماع بين الجمهوريين والديمقراطيين فى مجلسى الكونجرس على معاقبة روسيا. وكان ترامب سيخسر خسارة جبارة قد تؤثر على شعبيته ومستقبله السياسى، وبالتالى، قرر أن يوقِّع مع إعلان امتعاضه.

    ولكن من جهة أخرى، فترامب، كرئيس للولايات المتحدة، لا يمكنه أن يتراجع عن تحقيق مصالحها، أو يقدم على خطوات تضر بهذه المصالح. وبالتالى، يمكننا أن نتحدث مجازًا عن شكلٍ من أشكال التنسيق بين إدارات المؤسسات الأمريكية ليس بشكلٍ مباشر، ولكن فى إطار الديمقراطية، والدستور، والقانون، ووفق ما تمليه المصالح العامة للدولة فى إطار المنظومة الديمقراطية الأمريكية، بصرف النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع السياسات الأمريكية، أو المنظومة الديمقراطية هناك.

    الأمر الآخر الذى يمتلك أهمية قصوى، هو الأوهام التى يتم نسجها حول الخلافات الأوروبية - الأوروبية، والخلافات الأوروبية - الأمريكية بشأن العقوبات ضد روسيا.. أعتقد أن الإدارة الروسية، ومركز القرار فى موسكو، يدركان جيدًا أبعاد هذه المسألة، وليس لديهما أية شكوك فى مدى تطابق وتوافق المصالح الأمريكية الأورو أطلسية. ومع ذلك نجد بعض الساسة الروس يدلون بتصريحات وتنظيرات لا علاقة لها بأى منطق.

    يتزامن ذلك مع حملات إعلامية روسية ضعيفة، وهزيلة وغير دقيقة أو عقلانية تسفر عن نتائج أكثر ضررًا ليس فقط بصورة روسيا وسياساتها العقلانية، بل وأيضًا بتفاصيل تداعيات هذه الصورة أمام الرأى العام العالمى، وتحوِّل موسكو إلى "أضحوكة".

    قبل توقيع ترامب بعدة أشهر، مدَّد الاتحاد الأوروبى عقوباته على روسيا لمدة عام كامل. وبعد توقيع ترامب بعدة أيام، فرض الاتحاد الأوروبى عقوبات جديدة ضد موسكو. وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن قرار الاتحاد الأوروبى بتوسيع العقوبات ضد روسيا يدعو للأسف العميق، وأن موسكو تنظر إلى هذه الخطوة على أنها غير مبررة، وأن "قرار بروكسل حول تضمين العقوبات قائمة لأسماء شخصيات حكومية روسية وشركات، ردًا على اتهامات شركة "سيمينس" بمد أنابيب غاز بطرق غير شرعية إلى القرم، يدعو للأسف الشديد. ونعتبر هذه الخطوة التى جاءت بمبادرة من برلين غير ودية وغير مبنية على أسس صحيحة".

    وأشارت الخارجية الروسية إلى أن المسؤولية، بما فيها ما يترتب على شركة "سيمينس" والشركات الأوروبية الأخرى العاملة على الأراضى الروسية من خسائر مادية، "تقع بالكامل على عاتق الاتحاد الأوروبى والحكومة الألمانية. ورأى مندوب روسيا لدى الاتحاد الأوروبى فلاديمير تشيجوف أن عدم التنسيق بين واشنطن وبروكسل حول العقوبات الأمريكية ضد روسيا قد يدفع الاتحاد الأوروبى لإعادة النظر فى سياسة العقوبات.

    ولكنه من جهة أخرى، اعترف بأن تقديراته هذه مفرطة فى التفاؤل بشأن إمكانية أن تدفع العقوبات الأمريكية الأوروبيين إلى إعادة النظر فى سياستهم الخاصة بالعقوبات ضد روسيا.

    أما المفاجأة، فقد جاءت من برلين الرسمية وليس من المحللين ووسائل الإعلام المنفصلين عن الواقع، إذ قالت وزارة الخارجية الألمانية، إن "خرق روسيا العقوبات من خلال نقل 4 توربينات غازية للقرم تابعة لشركة سيمنس، يهدد العلاقات السياسية بين البلدين".

    وقال المتحدث باسم الخارجية الألمانية، "إننا نُذَكِّر موسكو مرة أخرى بالامتثال إلى العقوبات المفروضة عليها، وعدم خرقها، لأن تصرفات من هذا القبيل تهدد العلاقات بين برلين وموسكو".

    أعتقد أن القيادة الروسية مدركة جيدًا لأبعاد اللعبة الأمريكية والعقوبات الأمريكية - الأورو أطلسية، بل وتتعامل بحكمة، وقدرة على الرد، ولكن وسائل الإعلام الروسية تتعامل وكأنها تعمل لحساب ربما الاتحاد السوفيتى، أو روسيا القيصرية.. بمعنى أنها معزولة ومنفصلة، وتقلل من شأن جهود موسكو الرسمية، وتوجه هذه الجهود فى اتجاهات غريبة ومثيرة للتساؤلات، وتحولها إلى خطاب صبيانى مراهق لا يرقى إلى مستوى هذه الجهود الحقيقية وأهدافها.

    وفى نهاية المطاف، تحاول موسكو الآن، مواجهة موقف العقوبات بخطوة أولية مهمة، إذ أعلنت أنها ستسرع العمل على تقليص اعتمادها على منظومات الدفع الأمريكية وعلى الدولار، وذلك ردًا على العقوبات الأمريكية، وذهبت إلى أهمية تأسيس منظومات اقتصادية تخفف اعتمادها على الدولار والنظام النقدى والمالى الأمريكى، ما سيقلل من التبعية للنظام المالى الأمريكى.

    وحذرت من مغبَّة إقدام الولايات المتحدة على اتخاذ تدابير جوابية على تقليص عدد دبلوماسييها فى روسيا، مؤكدة أن الجانب الروسى سيرد على ذلك بشكل فورى، وأن روسيا حذرت الولايات المتحدة من إمكانية اللجوء إلى خطوات ردية فى مجال طرد الدبلوماسيين، ومصادرة الأملاك الدبلوماسية.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى