وجهة نظر

موظف الحى

2017-08-05 10:16:22 |
  • أحمد سليم
  • الكاتب الصحفى أحمد سليم

    يظل مشهد سيارة البلدية وهى تطارد الباعة الجائلين فى أنحاء مصر المختلفة تحمل دلالة قاطعة على أن الحكم المحلى سيظل بتفكيره العقيم الحائط الذى تتحطم عليه احلام باعة او شباب صغار.

    وسيظل أيضا مشهد بلدوزر الحى الذى يحطم الأكشاك دون رحمة ويوقف مصادر حياة أسر، شاهد أخر على عقلية موظف الحى.

    رؤساء الأحياء الذين تفرغوا لمواجهة مخالفات الشوارع نسوا أن هناك أبراجًا ترتفع حتى العشرين دور فى أحيائهم ودون تحرير مخالفات أو التفكير فى الاقتراب من هذه الأماكن.

    شوارع العاصمة وكل المدن تشهد على ذلك لا يخلو شارع من أكشاك بدون ترخيص ولا باعة جائلين، اقتصاد غير مرئى تعيش عليه عشرات الآلاف من الأسر فى مصر، اقتصاد حمى اقتصاد الدولة من الانهيار، نعم هو اقتصاد غير منظم، نعم لا تستفيد منه الدولة بشكل مباشر ولكنه فى النهاية بكل أخطائه يحمى آلاف الشباب من الانحراف ويحمى آلاف الأسر من التشرد.

    غالبًا ما تجد باعة الملابس والعاملين على عربات الفول من خريجى الجامعات وربما كليات القمة، وهناك من يعمل على عربة فول وهو من درجة مدير عام وكثير من قيادات وصلت إلى درجة عالية يحصلون على وظائف متدنية بعد خروجهم على المعاش، موظف الحى الذى يصدر أمره بإزالة كشك خوفًا من مرور المحافظ، لا يدرى وهو يفعل ذلك كيف يحول أسرة إلى تشكيل إرهابى.

    والمحافظ الذى يصدر قرارات الإزالة قبل بحثها وهو فى مكتبه المكيف لم يدرس جيدًا آثار قراره، فالمهم أن تصاحبه كاميرات التلفزيون لتكون شاهدًا على تنفيذه لقرارات الحكومة وقدرته على استعادة هيبة الدولة.

    السؤال هو ما هو الحل لضم هذا الاقتصاد غير الرسمى والذى يصل إلى عشرات المليارات إلى الاقتصاد الحكومى فتحصل الحكومة الضرائب عنه، ويطمئن العاملون فيه، وأيضا تستعيد الدولة هيبتها على الشارع.

    وبحكم مرورى يوميًا فى طريقى إلى العمل بعدة شوارع فى القاهرة والجيزة، أنقل لكم خطوات إنشاء الأكشاك، لمدة شهرين مثلا بائع يقف وبجانبه بضع كراتين للمأكولات الغذائية، ثم يسرق إضاءة من الشارع وتقدم له إحدى شركات المياه الغازية ثلاجة هدية، ثم بعد ذلك كشك خشب صغير ثم كبير ثم كشك حديد وزجاج على الرصيف، هذه مخالفة على مدار شهور وربما عام، عاملوا البلدية يمرون يوميًا وكذا مهندس الحى وربما رئيسه، تستقر أسرة صاحب الكشك اقتصاديا، يدخل أولاده المدارس ويتعلمون وفجأة يتذكر الحى أن هناك مخالفة فيأتى بلدوزر ليزيل الكشك محطمًا ما أقامه المخالف، ومحطما كل البضاعة، يخرج أبناء صاحب الكشك من المدارس وتتشرد الأسرة التى استقرت ويشارك السيد المحافظ قبل السيد رئيس الحى فى تقديم طليعة جديدة للإرهاب.

    أضرب لكم مثلا حيا ويعرفه أغلب الإعلاميون بحكم مرورهم من شارع شامبليون، محمد وردة "درويش اسمه الحقيقى" وهو يقترب من الستين من عمره ، أبناؤه منهم من تعلم وتخرج ومنهم من يكمل تعليمه، وردة أو عم محمد وردة كما يطلق عليه الكثيرون، فليسوف جميل، أغلبنا مر من عنده وجلس معه وحكى واستمع منه حكايات كثيرة، هذا الرجل كان لديه كشك صغير فى الشارع وعلى ناصيته، ولم يقلق المشرع، وعشرات الباعة يملأون هذا المكان.

    ولكنه فجأة ودون إنذار تقرر إزالة الكشك وتحركت قوات المرافق وسياراتها ليقتلعوا الكشك من مكانه، إنه بائع ورد يا سادة لن أقول أنه كان أيام الإخوان يعطى مكانه للثوار للتجمع، ولم أقل إنه أحد المثقفين فى هذه الوطن، ولكنه بائع ورد لم يفكر أحدهم فى التفكير معه، كيف تعيش أسرته بعد أن ظلت أكثر من ثلاثين عامًا مصدرها هو كشك الورد، نموذج من آلاف النماذج التى تتهدم حياتهم يوميا بسبب قصور التفكير.

    لقد تم إخلاء وسط البلد بهدوء عندما تم توفير البديل، وتم إخلاء جزء من الوكالة لبناء محطة المترو عندما تم توفير البديل، وفشل ذلك فى الوراق عندما نفذنا الإخلاء بعقلية رئيس الحى الموظف، الآلاف من الشباب يحاولون عبر مشروعات صغيرة يقف أمامهم حاجز روتين الحكومة والحى، فيصل الأمر للرئيس فيتدخل رئيس الجمهورية شخصيًا لحل مشكلة فتيات مصر الجديدة ولا يستقيل رئيس الحى خجلًا.

    يأمر الرئيس بتنفيذ الإزالات من على أملاك الدولة وينبه بعدم هدم منزل به سكان أو اقتلاع أشجار أو مزارع مثمرة فيحدث العكس، يفكرون فقط فى كيف يكون الشارع لو مر مسؤول منه.

    عقلية موظف الحى تحتاج من الدكتور هشام الشريف، وزير التنمية المحلية، أن يخصص لها مساعدًا يحاول تثقيفهم وتنويرهم، والاقتصاد غير الرسمى يحتاج منه وهو الذى أسس مركز المعلومات إلى إنشاء مركز معلومات جديدة بالتنمية المحلية تكون به معلومات كاملة عن الاقتصاد غير الرسمى ووضعها أمام المسؤولين.

    أخيرًا.. اتركوا محمد وردة يبيع وروده فى الشارع فهو أفضل من باعة المخدرات على ناصية أخرى قريبة.

    أحمد سليم
    للأعلى