وجهة نظر

أيمن ينهى حياته «2»

2017-08-03 09:54:02 |
  • إيرينى ثابت
  • كتبت فى الأسبوع الماضى عن شاب يدعى أيمن أنهى حياته لأسباب صعبة.. وقد نقل صديقه قصته تلك على الفيسبوك لعل هناك من يريد أن يتعلم..

    أيمن أنهى حياته وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر لأنه لم يستطع أن يتحمل أعباء الحياة بعد وفاة والده فى حادث أدى أيضًا إلى إصابة والدته وعجزها التام عن الحركة.. أيمن ليس متقاعسًا أو متهربًا من مسؤولياته كما قد يظن البعض.. أيمن عاش حياته طفلًا وشابًا محبوسًا فى رعاية مبالغ فيها من والده ووالدته لأنه وحيدهما الذى عاش بعد أن مات أخوته قبله.. ولأن والده لم يعلمه أيًا من فنون الحياة على الإطلاق، لم يعرف كيف يحيا!! فأنهى حياته قبل أن يبدأها..

    "الانتحار" أو كما أفضل تسميته "أن ينهى شخص حياته" هو كارثة لا تلقى اهتمامًا كافيًا لمواجهتها فى مجتمعنا.. وهناك مناطق مظلمة لا نخوض فيها بخصوص تلك الظاهرة لأن أفكارًا خاطئة تسكن عقولنا بخصوصها.. ونحتاج أن نصحح تلك الأفكار الخاطئة إذ أن فهم الظاهرة هو الخطوة الأولى لإيجاد العلاج..

    نحتاج أن نفهم أن إنهاء الحياة هو اضطراب نفسى وليس اضطرابًا عقيديًا.. فهذا الإنسان الذى ينهى حياته، لا ينهيها فجأة ولا يأخذ مثل هذا القرار بكامل إرادته فى معظم الحالات.. جُبل الإنسان على حب الحياة، والتمسك بها، بل والصراع لأجل البقاء.. ما يحدث فى حالة إنهاء الحياة هو الدخول فى مرض الاكتئاب، وهو مرض نفسى مثله مثل المرض الجسدى تمامًا، بمعنى أنه كما أن أمراضًا جسدية قد تؤدى إلى موت إنسان إذا لم يتم علاجها أو عجز الطب عن شفاء المريض، هكذا أيضًا بعض الأمراض النفسية.. ومن المعروف أن فكرة الانتحار تلك تسيطر على فكر الإنسان المريض بالاكتئاب وتصل به إلى سجن أفكاره فى فكرة واحدة ألا وهى أن إنهاء الحياة هو الحل الوحيد.. ومن هناك تسلمه إلى الموت!!

    ونحتاج أن نفهم أيضًا أن مسؤولية إنهاء الحياة لا تقع على هذا الشخص المريض وحده، بل وفى معظم الأحيان تكون مسؤولية مشتركة بين المجتمع الصغير والمجتمع الكبير.. أيمن مثلًا ضحية تربية غير موفقة من جانب والده الذى أصر على حمايته من كل شىء لدرجة أنه منعه من التعرف على الحياة ومخاطرها وطرقها وثنياتها وحلاوتها ومرها.. لدرجة أنه حرمه الأصدقاء واللعب والشجار والمصالحة والوقوع على الأرض والقيام أقوى وأكثر خبرة.. لدرجة أنه جعل أيمن وهو فى عمر الشباب لا يعرف عن الحياة ما يعرفه أطفال الابتدائى والإعدادى!!

    ولما صار أيمن شابًا جامعيًا وفور تخرجه من الجامعة حدث ما كان مقدرًا وتوفى والده، وصارت والدته فى تلك الحالة، لم يساعده المجتمع الكبير ليتخطى تلك التحديات التى لم يكن لديه من الإمكانيات الحياتية ولا النفسية ولا المادية ما يساعده على تخطيها.. مع عدم خبرته وعدم سعيه لإيجاد جمعيات أو مؤسسات خيرية تساعد فى مثل تلك الحالات، لم يسعى المجتمع نحوه أو نحو والدته.. ولم يتطوع أحد لإرشادهما لحلول بديلة تتكفل بالأم المريضة أو تساعدها..

    ومع انعدام خبرة أيمن فى الحياة، لم يقو على تحديات العمل والبحث عن عمل وإيجاد طرق بديلة لكسب العيش.. وعندما يصف صاحبه الذى روى قصته كيف كانوا يسمعون صوت بكائه كل ليلة قبل أن ينهى حياته، ندرك كم الاكتئاب الذى أصابه.. ونفهم أن إنهاءه لحياته كان نتيجة تلك الأخطاء التربوية وانهيار المسؤولية المجتمعية..

    نحتاج أخيرًا أن نسعى نحو إعلام مجتمعى مسؤول لمواجهة عدة مشكلات.. أولها مشكلات التربية الأسرية التى تنتج أطفالًا ثم كبارًا مشوهين نفسيًا.. أين الإعلام والبرامج التوعوية والدراما التليفزيونية من هذا؟ وثانيها المشكلات النفسية والتى نخجل من أن نعلن أن منا كثيرين يمرضون بها ويحتاجون للعلاج النفسى وليس الروحانى.. أين الإعلام من توضيح تلك الصورة وحث كل مريض على طلب العلاج.. وأخيرًا هناك مشكلة كبيرة فى تناول الإعلام لتلك الظاهرة بالذات، أعنى ظاهرة إنهاء الحياة!! فلا يتناولها الإعلام سوى كخبر أن فلان أنهى حياته للأسباب الآتية.. وربما تكون الأسباب غير حقيقية.. وينتهى الخبر..

    هل نوضح الفرق بين الانتحارى والمريض المسكين واليائس والمكتئب؟ هل نسعى للبحث عن هؤلاء البائسين ومحاولة مساعدتهم وحل مشكلاتهم؟ هل يبحث الإعلام هذه الظاهرة وينشر أفكارًا علمية عنها لتوعية العامة ونشر فكر سليم يقى من انتشارها؟ هل نعلن عن المؤسسات التى تساعد وتكفل المحتاجين ماديًا ونفسيًا بشكلٍ كافٍ؟ متى نكف عن الاهتمام بالقشور، وننظر إلى العمق؟!!

    إيرينى ثابت
    للأعلى