وجهة نظر

جوهر الصراع بين روسيا والولايات المتحدة

2017-08-01 19:39:16 |
  • د.أشرف الصباغ
  • بعد مصادقة الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، على مطالب الخارجية الروسية، بإبعاد 755 دبلوماسيا وموظفا وتقنيا أمريكيا من الأراضى الروسية بيوم واحد فقط، أكد الكرملين أن روسيا تحتفظ بحقها فى اتخاذ إجراءات إضافية للرد على العقوبات الأمريكية ضدها.

    لكن الرئيس بوتين، يعتبر ذلك أمرا غير مجد فى الوقت الراهن.

    وأعطت موسكو، انطباعا بأن عودة العلاقات مع واشنطن ستكون مشروطة بتخليها عن منطق وآليات العقوبات من طرف واحد، وهو ما وصفه المراقبون بأنه أحلام روسيا من جهة، ومجرد متاجرة سياسية لا أكثر من جهة أخرى.

    وفى حقيقة الأمر، فالطرفان الروسى والأمريكى يتحدثان ويصرِّحان، ويعددان ويتوعدان، ثم يؤكد كل منهما أنه حريص على التعاون البنَّاء.

    الناطق الرسمى باسم الكرملين، دميترى بيسكوف، أوضح أيضا أن موسكو، لا تزال معنية بمواصلة التعاون مع واشنطن فى المجالات التى تهتم بها، وحيث يجلب التعاون الثنائى منفعة متبادلة، وذَكَّرَ بأن الرئيس الروسى، حدد مجالات التعاون المقصودة.

    وأكد أن الجانب الأمريكى، سيتخذ بنفسه القرارات حول تقليص الموظفين فى بعثاتها الدبلوماسية بموسكو، موضحا أن الحديث يدور ليس عن الدبلوماسيين فحسب، بل عن جميع العاملين فى السفارة والقنصليات الأمريكية.

    وذكر أنه فى الوقت الراهن يبلغ عدد العاملين فى البعثات الدبلوماسية الأمريكية فى الأراضى الروسى حوالى 1200 شخص، فيما لا يتجاوز عدد موظفى السفارة والقنصليات الروسية فى الولايات المتحدة 455 شخصا، ولذلك سيضطر الجانب الأمريكى، استجابة للمطلب الروسى بتسوية عدد الدبلوماسيين فى كلا البلدين، لتقليص بعثاته الدبلوماسية بـ755 شخصا.

    وعلى الرغم من استبعاده إمكانية التفاوض حول طرد الدبلوماسيين، أشار بيسكوف إلى الشروط الضرورية لتحسين الوضع الراهن فى العلاقات الروسية الأمريكية، وهى إبداء الإدارة السياسية حسن النية نحو تحسين العلاقات، والخضوع "لإعادة التأهيل من انفصام الشخصية السياسية"، والتأكيد على الرغبة الثابتة فى التطبيع، والتخلى عن محاولات الإملاءات عن طريق العقوبات.

    هذا على الرغم من الجانب الأمريكى، لم يتحدث إطلاقا عن أى مفاوضات مع نظيره الروسى حول إبعاد الدبلوماسيين الأمريكيين، ولكن يبدو أن موسكو ترفع السقف كالعادة، لكى تكون لديها فرصة للمناورة، وإبراز عضلاتها داخليا وخارجيا.

    أما الجانب الأمريكى، الذى ترى روسيا أنها وجهت إليه ضربة تاريخية جبارة، فقد أكد أنه يفكر جديا فى الرد على قرار موسكو القاضى بخفض عدد موظفى البعثات الدبلوماسية الأمريكية فى روسيا، وهناك بالفعل أحاديث تدور حول إمكانية إغلاق مقرات ومبانى تابعة للبعثة الدبلوماسية الروسية فى الولايات المتحدة، ترى واشنطن أنها تمارس نشاطات غير مفهومة.

    التهديدات والتصريحات والوعيد تتصاعد بين الطرفين، وكأنهما على شفا حرب واسعة النطاق، ولكن كل ذلك يدور فى إطار الصراعات الرأسمالية على تقسيم النفود والاستيلاء على مناطق تأثير جديدة، أو تثبيت الوجود فى مناطق قديمة، بمعنى أن لا صراعا أيديولوجيا بين الطرفين، يفترض فيه كل طرف أنه سيغير العالم، أو أن أيا منهما معنى بتغيير العالم وحياة الناس إلى الأفضل.

    ولكن المسألة تدور بين قوى رأسمالية كبرى، ومنافسات وصراعات على مناطق بعينها تمهيدا لمشروعات رأسمالية ضخمة فى إطار النمط الرأسمالى السائد، وتمكين الشركات والمؤسسات العابرة للقوميات من ثروات تلك المناطق والدول والشعوب.

    وبالتالى، فادِّعاء حوار الحضارات، وتحالف الحضارات، والحوارات العالمية البنَّاءة، وحوارات الأديان، والدبلوماسيات الشعبية، كلها مجرد "حوارات طرشان" تتم بصياغات تلفيقية مغرية، وتحت شعارات تضليلية براقة، لخداع مليارات البشر، وعلى الأخص سكان ونخب المناطق قيد الصراع والمنافسة.

    فى كل الأحوال، وعلى أرضية هذا الصراع، أعلن نائب الرئيس الأمريكى، مايكل بينس، أن روسيا تمثل خطرا على حلفاء واشنطن فى حلف الناتو، مشيرا إلى أن الفضيحة الدبلوماسية الأخيرة لن تساعد على تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو.

    بينما ترى الأخيرة أن الأولى تهضم حقها ولا تحترمها أو تحترم مصالحها، المهم هنا، أن بينس أدلى بهذه التصريحات فى العاصمة الأستونية تالين بعد مباحثاته مع رؤساء دول البلطيث الثلاث (أستونيا ولاتفيا وليتوانيا)، المعادية جدا لروسيا. وذهب فى تصريحاته إلى أن "روسيا تمثل خطرا على الدول الحليفة فى الناتو، وستفعل الولايات المتحدة كل ما بوسعها من أجل درء هذا الخطر"، مشددا على أن الولايات المتحدة تدعم بحزم المادة الخامسة لمعاهدة الناتو، والتى تقضى بأن "الاعتداء على أحد الحلفاء يعتبر اعتداء علينا جميعا"، مضيفا أن "تحالف الولايات المتحدة ودول البلطيق قوى".

    نائب الرئيس الأمريكى، زار أيضا جورجيا المعادية لروسيا، ومن هناك قال إن "الرئيس ترامب، سيوقع مشروع القانون الذى يشدد العقوبات ضد روسيا قريبا جدا، ونأمل أن يتم إلغاء هذه العقوبات، لكن ذلك ممكن، فقط بشرط، إذا نفذت روسيا الالتزامات الملقاة على عاتقها"، ولكن الخطوات الدبلوماسية الروسية الأخيرة، للأسف تظهر العكس".

    أما المحطة الثالثة لبينس، فكانت جمهورية الجبل الأسود، مونتنيجرو، التى تستعد للحصول قريبا على عضوية حلف الناتو، وهو الأمر الذى يفاقم من غضب روسيا ويجعلها تشعر بالخديعة، كما أن الحديث يدور منذ سنوات طويلة حول انضمام جورجيا، وربما أوكرانيا، وهما دولتان تعملان على تنفيذ سياسات ومواثيق الناتو فى مجالات الدفاع والأمن، ولديهما طموحات كبيرة فى هذا الصدد.

    وبالتالى، فجولة مايكل بينس فى البلطيق وجورجيا والجبل الأسود، ليست رحلة استجمام أو زيارة ترفيهية، ولكنها تكتسب أهمية خاصة فى ضوء سيناريوهات وخطط الولايات المتحدة وحلف الناتو من جهة، وعلى خلفية ما يجرى فى الشرق الأوسط من جهة أخرى، وبالذات فى ما يتعلق بحصار روسيا فى أكثر من منطقة، ودفعها ليس فقط لتبديد ثرواتها وأموالها، بل وأيضا لدفعها من أجل ارتكاب أخطاء قد تنعكس على الداخل الروسى.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة 2017-12-19 10:34:01 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية 2017-11-28 12:44:19 وفعلها بوتين 2017-11-21 11:30:53 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30 الرسائل المهمة للعقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا 2017-10-31 11:00:39 سوريا ما بعد داعش! 2017-10-24 09:16:37 الصمت الروسى فى أستانا 2017-10-17 12:31:59 مناورات أردوغان التى لا تنتهى 2017-10-10 09:23:58 هل تصبح روسيا رمانة الميزان بين السعودية وإيران؟ 2017-10-03 14:23:13 دولة كردستان الجديدة بين العنترية والأمر الواقع 2017-09-26 09:06:39 سحب البساط من تحت أقدام روسيا فى سوريا 2017-09-19 11:25:54 من سيحسم أمر «برلين» السورية! 2017-09-12 09:42:24 إزاحة ترامب وانهيار أمريكا! 2017-09-05 13:19:33 لافروف على خطى أردوغان فى أزمة قطر 2017-08-29 08:46:03 جولة شكرى الأوروبية 2017-08-22 11:18:55 المشير حفتر بين روسيا والغرب 2017-08-15 08:19:08 العقوبات الأمريكية - الأوروبية ضد روسيا.. إلى أين؟! 2017-08-08 11:54:03
    للأعلى