فضفضة

خطيئة الشات!

2017-08-02 09:59:55 |
  • فريدة دياب
  • ثمة حكمة كبيرة لا تبلغها إلا عندما تكون قد أدركت معنى الحياة وعرفت ماهيتها، وتعلمت دروسها وكدت أن ترى منتهاها.

    يمكن أن يحدث ذلك فى أى وقت، فلا يرتبط بعمر معين أو بمرحلة سنية بذاتها، فحتى وأنت فى ريعان شبابك قد تزداد نضجًا وحكمة، وتتعلم من دروس الحياة ما يجعلك أكثر حكمة من آخرين يكبرونك فى حساب السنين. وغالبًا ما يحدث ذلك حينما تتمرد عليك الحياة، وتنهال عليك بتقلباتها من أفراحها إلى أحزانها، ومن ازدهارها ورغدها إلى ضيقها وكربها، فلا تجد لنفسك ملاذًا إلا الصبر، ولكن مع الصبر تتعلم الكثير وتكتسب من خبرات الحياة ما يستحق أن نحمد خالقنا على ما تعلمناه.

    ولكن الألم الحقيقى هو أنين النفس، وتأنيب الضمير، والندم على ما قد نقترفه من إثم أو ما يمكن أن نرتكبه من خطأ، وغالبًا إذا ما ارتبط ذلك بسوء تقديرك لاختيار الأصدقاء أو من تمنحه ثقتك من الرفاق.. حينها تفاجأ بأن الصديق يمكن أن يصبح عدوًا، والرفاق يصبحون فرقاءً.. بالنسبة لى تلك واحدة من أقسى اللحظات، فما أقسى أن تقسو قلوب الأصدقاء.

    تعرفت على "خديجة" منذ عشر سنوات عن طريق أولادنا، حيث كانوا زملاء فى مدرسة واحدة، ومع الوقت تطورت علاقتنا وصرنا نصطحبهم معًا لأداء تدريبات السباحة وقضاء أيام الإجازات فى النادى أو أى مكان آخر، حتى كدنا أن نصبح عائلة واحدة، فكنا نتشاور حول اُسلوب تربية أبنائنا، ماذا نمنح وماذا نمنع، وكيف نهيئ لهم أفضل بيئة تربوية، وأفضل اُسلوب لقضاء العطلات الصيفية، حتى أصبحنا ننظم أوقات وأماكن السفر سويًا، وكل غرضنا أن يستمتع أولادنا بصحبة بعضهم البعض، ونجد نحن الفرصة للاستجمام من إرهاق العام الدراسى، وقضاء أوقات طيبة.

    وتمر السنوات دون أن نشعر بها، وإنما يزداد شعورنا بنبض من حولنا، وما يمكن أن يطرأ على مشاعرهم من تغير، فجأة بدا الحزن على وجه "خديجة"، وحاولت أكثر من مرة أن أستفسر منها عن سبب لمسة الحزن، التى لم تعد تفارق ملامحها، ولكنها كانت تتهرب دائمًا من الإجابة، ثم بدأت تعتذر كثيرًا عن الخروج معنا، وفى كثير من الأوقات كانت تطلب منى أن أصطحب أولادها معى بحجة أنها مريضة، ولَم أشك لوهلة فى صدق كلامها ولكنى كنت أشعر بالضيق، لأننا كنا بمثابة أسرة واحدة، فلا يمكن أن أنسى لها مثلا موقفها حين مرض أبى مرض الموت وكيف كانت سندًا لى، ولم تترك أولادى للحظة، وعوضتهم انشغالى عنهم فلم يشعروا بشىء حتى استطعت أن ألملم جراحى وحزنى على أبى، فكانت بحق الأخت التى لم تلدها أمى.

    وصممت ذات يوم على أن أجلس معها لنتحدث، وكانت المرة الأولى التى تفتح لى قلبها، فغلبتها دموعها، وأفصحت عما بداخلها، وعرفت أن سبب حزنها وبكائها هو زوجها "مجدى"، الذى كان كثير الغياب عنها بحكم عمله إلا أن علاقتهما كانت على ما يرام إلى أن بدت بعض التغيرات على أحواله، وصار يجلس شاردًا معظم الوقت منشغلا بالموبايل، فغلبها الفضول وفتشت فى رسائله على الموبايل، فوجدت رسالة من سيدة بها بعض كلمات الغزل منها، وأنه رد عليها بنفس الأسلوب، وعندما واجهته أنكر واختلق قصصا غير مفهومة وغير مقبولة، ومع ذلك مرت هذه القصة مرور الكرام، ولكنها بدأت تلاحظ أنه يتلقى العديد من المكالمات الخاطفة، وغالبا ما ينهى أى مكالمة إذا ما كان بمفرده وظهرت هى فجأة، غير ادعائه دائما أن لديه مواعيد وارتباطات مع أشخاص لا تعرفهم.

    ومع تكرار هذه المواقف ازداد الشك لديها، فأصبحت لا تثق بأى كلمة يقولها، وأصبحت تعيش فى حالة من القلق والشك الدائم، الذى حول حياتها إلى جحيم، فأقسى إحساس يمكن أن يتسلل إلى قلب امرأة هو الشك فى رجل تحبه، فتتحول ظنونها وشكوكها إلى نار لا يطفئها إلا اليقين!!

    حاولت مرارًا وتكرارًا أن أطمئنها ولكنها طلبت منى أن أساعدها فى الوصول إلى الحقيقة، وبدأت بالفعل فى التفكير معها بعد أن لاحظت بنفسى غرابة تصرفات زوجها، والتغير فى اُسلوب تعامله معها بشكل ملحوظ.

    وبحكم عمل زوجى فى الاتصالات كنت أسمع منه عن برامج تساعد على التتبع، وكيفية رؤية الرسائل دون علمه، وكنت أنا أيضاً بحكم دراستى بارعة فى التكنولوجيا الحديثة، وجلست أنا وهى وثالثنا الشيطان، نخطط كيف تتم مراقبته ومعرفة الأماكن التى يتردد عليها، حتى فى سيارته نستمع لحديثه، ونعرف إلى أين يذهب!!

    حتى اتضحت لنا كل أموره بعد فترة، وأنه بالفعل على علاقة بسيدة أخرى، وكم هو مهين لامرأة حين ترى كل محادثات زوجها وكلامه مع امرأة أخرى، يقول لها كل ما حرمها هى كزوجة من سماعه، وكأنه رجل آخر.. يأتى أمامها وينسج قصة كاملة كلها كذب، وهى تعلم أين كان ومع من!! وتناقشه فيزيد من كذبه وينهى حديثه "هو تحقيق ولا إيه"، ويدخل غرفته ويمارس حياته بلا خوف وبلا تردد، حتى أصبحت تتساءل فى أعماقها من هذا الرجل؟ ومن أين له كل هذه المقدرة على نسج هذا الطوفان من القصص والأكاذيب؟

    ومع كل يوم يمر كانت "خديجة" تسمع وترى وتجمع الحقائق، التى تدين زوجها حتى جاءت لحظة المواجهة، بعد أن استنزفت نفسياً وعصبياً وأصبحت غير قادرة على التحمل وكان يوما عصيبا.. لأنها واجهته بالأيام والأماكن والمواقف والحوارات والكلمات، فأدرك بلا شك أنها كانت تتجسس عليه، وفهم من كلامها أننى ساعدتها على ذلك، فهو يعلم أنها لم تكن بارعة فى استخدام التكنولوجيا الحديثة.

    انتهت الخلافات بين خديجة ومجدى بالطلاق، ويعلم الله أننى لم أكن أدفعها لذلك، بل حاولت أن أثنيها عن هذا القرار، ويعلم الله أنى وقفت أمامها وأخبرتها أنه من الممكن أن يتراجع ويدرك خطأه من أجل الأولاد، ولكن ما سمعته وما رأته كان أقوى من الرجوع، ولن أنسى كلمته لى بعد أن تم الطلاق "خربتى بيتنا الله يخرب بيتك"!!

    بعد الطلاق لم أترك خديجة بل كنت دائمًا معها، ولكن ما الذى بيدى لأقدمه لها؟ فقد صارت أما مطلقة لثلاثة أطفال أكبرهم فى التاسعة من عمره.. أرى كيف تعانى معهم ومع مشاكلها مع "مجدى"، الذى يتعامل معها على أنه ضحية خرابة البيوت التى ساعدت زوجته على هدم بيتها والتجسس عليه بلا حق، فلا يلوم نفسه أو يبدى ندما على خيانته لها وإنما يلقى الْلوم -كل اللوم- علىّ لمساعدتى لها على اكتشاف خيانته، والأكثر من ذلك على زوجته السابقة أو مطلقته التى استباحت حريته الشخصية، وسمحت لنفسها أن تراقبه وتفشى أسراره وأن تجعله عاريًا أمام الجميع.

    اليوم.. أقف أمام نفسى وأشعر بتأنيب الضمير، فعلى الرغم من كرهى الشديد لأفعاله واحتقارى لسلوكه وأسلوبه الملتوى وادعاءاته فإن كل ما يهمه أنها عرفت واطلعت على أفعاله ورفضه أن يعترف بأنه أخطأ.. وعلى الرغم من أنه لم يبد ندمًا ولو للحظة، بل اعتبر أنه قد عاقب زوجته وطلقها، لأنها راقبته وكان يجب أن تدفع ثمن جرأتها عليه!

    اليوم.. أَجِد كل من حولى يلوموننى، لأنى تسببت فى خراب بيت صديقتى، وساعدتها على كشف خيانة زوجها.

    اليوم.. أفكر فى كلام الله سبحانه وتعالى "لا تجسسوا"، وأتساءل فى أعماقى لماذا نهانا الله عن التجسس؟

    وأجد الإجابة أمامى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).

    أشعر بذنب كبير وتأنيب ضمير يدمرنى، ربما لو لم أساعدها لما علمت بخيانته لها، ولما رأت كل ما رأت، وربما تغير حاله بعد فترة وعاد لصوابه من جديد.. ربما لو انتظرت لحلّ عدل الله وانكشف دون أدنى تعب أو مجهود منى، فعندما تأتى مشيئته يكشف الله ستره عمن يشاء..

    ربما لو كنت نصحتها بتغيير معاملتها معه ومعرفة ما يجعله يتغيب عن منزله لوجهتها اتجاها آخر غير متابعته ومراقبته.

    لو عادت بى الأيام لن أفعل ما فعلت فحتى متابعة الزوج ومراقبته لها حدود، لأن معرفة الكثير تجعل الكرامة حائلا بينك وبين التراجع عن قرار الانفصال، ولو بدلنا الأمور وراقب الزوج زوجته لن يرضيه كلامها ولا مزاحها، ربما عليه مع أصدقائها!!

    وأحيانًا أتردد، فلو كانت "خديجة" هى من تخون وليس هو، هل كان المجتمع سيعاقب "مجدى" على مراقبته ومتابعته لها؟ لا أظن، بل على العكس كانوا سيوجهون سهامهم لها ويقولون "الشرف" وهذا حقه!

    لم يفرق الله بين الزانى والزانية، فلم يعاقب المرأة وترك الرجل بلا عقاب، ولم يفرق بين السارق والسارقة، ولم تكن الفروض على الرجال دون النساء، إنما هذا ما فرضناه نحن البشر.

    لا أعفى نفسى من الخطأ، ولكنى أحب صديقتى وكرهت خيانة زوجها، ولَم أطيق أن أراها تُخدع هكذا وهى لا تستحق.

    لكنى سأظل أسأل نفسى هل أخطأت، وهل فعلا كنت سببا فى خراب بيتها، وماذا تفعل لو كنت مكانى وشهدت خيانة زوج لزوجته أو العكس.. هل الصواب أن نسكت على ما نراه ونغض أنظارنا ونتنحى جانبًا أم أن نساعدهم على اكتشاف الحقيقة.. سؤال يظل يحيرنى، فماذا لو كُنتُم فى موقفى؟

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع "فيسبوك" Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب.

    فريدة دياب فضفضة
    للأعلى