وجهة نظر

ضلالات أردوغان

2017-07-25 13:07:19 |
  • د.أشرف الصباغ
  • المسألة هنا لا تتعلق بشخص الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، بقدر ما تتعلق بسياساته وتوجهاته والسيناريوهات التى يرى هو وحزبه الإسلامى المحافظ أنها تحقق مصالح تركيا.

    لقد دخلت أنقرة كطرف فى جميع مشاكل وأزمات المنطقة بهدف تحقيق مصالح محددة، بعيدًا عن الطنطنات الإعلامية والدبلوماسية. هذه الخطوة تحرمها من أداء دور "الوسيط"، خصوصًا وأن الإدارة التركية تتعامل ليس فقط بعنف مع أزمات المنطقة، بل وأيضا باستعلاء. وبالتالى، فجولة أردوغان الخليجية من أجل "الوساطة" بين قطر وأشقائها فى المنطقة، تذكِّرُنا بتصريحات السفير القطرى فى موسكو بأن "الدوحة مستعدة لاستضافة مؤتمر لمكافحة الإرهاب فى سوريا".

    لا أحد ينفى أن تركيا دولة كبيرة على حدود القارتين الأوروبية والآسيوية، وعضو فى حلف الناتو، ولديها طموحاتها التى قد تتعارض مع طموحات هذا الطرف أو ذاك. ولكن على الجانب الآخر، هناك أطرف أخرى لديها أيضا طموحاتها التى تنطلق من مصالحها الوطنية والقومية.

    وهنا تكمن أزمة تركيا الأردوغانية التى ترى فى نفسها سلسيل الإمبراطورية العثمانية، والابنة الشرعية لدولة الخلافة، وحارسة الأمتين العربية والإسلامية. وعلى الجانب الآخر، تصول وتجول فى آسيا وإفريقيا لتنفذ سيناريوهات أقرب إلى "الضلالات" السياسية والعقائدية، متصورة أنها بذلك تحقق مصالحها.

    أدوار الوساطة تتطلب إمكانيات محددة للدولة الوسيطة، وعلى رأسها النفوذ والتأثير والعقلانية، ثم القوة العسكرية والأمنية، والثراء المالى، لكى تتمكن من استخدام مبدأ "العصا والجزرة" بفاعلية، أو تقدِّم حلولا تتسم بمراعاة مصالح الأطراف قيد الوساطة.

    كل ذلك لم يعد يتوافر لتركيا الأردوغانية التى تتعامل مع منطقة الشرق الأوسط باستعلاء من جهة، وبدونية مع أوروبا من جهة أخرى، بصرف النظر عن التصريحات المرنة و"الملاوعة" والانتهازية فى الحالة الأولى، أو التصريحات "العنترية" الجوفاء فى الحالة الثانية.

    على الرغم من علاقات تركيا مع روسيا التى تتأرجح بين المد والجزر وتعتمد بالدرجة الأولى على تناقضات كل منهما مع أطراف أخرى، وعلى الرغم من العلاقات المعقدة بينها وبين أوروبا والولايات المتحدة وحلف الناتو، لن تسمح لا موسكو ولا واشنطن ولا بروكسل أن تحقق أنقرة أى قفزات يمكنها أن تهدد مصالح روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى وحلف الناتو، أو توَسِّع من نفوذها على حساب نفوذ كل هذه الأطراف.

    ومن جهة أخرى، فالوساطات التى تقوم بها كل من روسيا والولايات المتحدة، هى وساطات مبنية بالدرجة الأولى على مبدأ "البلطجة" السياسية والدبلوماسية التى يظهر منها جزء فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويظهر الجزء الثانى في استخدام أدوات عسكرية وأمنية تحت غطاءات مختلفة أو بفضل تناقضات معينة. هناك أجزاء أخرى كثيرة من هذه البلطجة، وعلى رأسها وسائل الإعلام والتصريحات السياسية والدبلوماسية الفضفاضة.

    هنا يأتى دور القاهرة الذى قد لا يلائم هذا الطرف أو ذاك، أو يتقاطع جزئيا مع بعض مواقف هذه الدولة أو تلك. والمهم هنا أن مصر تحافظ على سياسات متوازنة، انطلاقا من رؤيتها لقضايا المنطقة وأزماتها، وارتكازا إلى مصالحها. فمن الصعب أن نرى مصر تدخل طرفا فى أزمات لا تحقق مصالحها الوطنية والقومية، أو مبنية على "ضلالات" العَظَمَة والاستقواء والأحلام الوردية. قد يفسر البعض هذا الأداء بالضعف أو "قلة الحيلة" أو "التهميش". ولكن لكل بلد ظروفه وحساباته ورؤيته لمصالحه.

    المهم هنا أن مصر لا تعيش على الأوهام الجيوسياسية، وإنما تتعامل مع الواقع بواقعية وانطلاقا من إمكانياتها "هنا والآن"، ولا تتاجر بالأزمات أو تتعمد الإضرار بمصالح الأطراف الأخرى. وربما تكون هذه هي إحدى أدوات "الوساطة" الناعمة القادرة على إدارة المواقف بهدوء، بعيدا الثرثرة والعنتريات و"الضلالات" العقائدية، وأحلام الإمبراطوريات المنقرضة.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة 2017-12-19 10:34:01 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية 2017-11-28 12:44:19 وفعلها بوتين 2017-11-21 11:30:53 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30 الرسائل المهمة للعقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا 2017-10-31 11:00:39 سوريا ما بعد داعش! 2017-10-24 09:16:37 الصمت الروسى فى أستانا 2017-10-17 12:31:59 مناورات أردوغان التى لا تنتهى 2017-10-10 09:23:58 هل تصبح روسيا رمانة الميزان بين السعودية وإيران؟ 2017-10-03 14:23:13 دولة كردستان الجديدة بين العنترية والأمر الواقع 2017-09-26 09:06:39 سحب البساط من تحت أقدام روسيا فى سوريا 2017-09-19 11:25:54 من سيحسم أمر «برلين» السورية! 2017-09-12 09:42:24 إزاحة ترامب وانهيار أمريكا! 2017-09-05 13:19:33 لافروف على خطى أردوغان فى أزمة قطر 2017-08-29 08:46:03 جولة شكرى الأوروبية 2017-08-22 11:18:55 المشير حفتر بين روسيا والغرب 2017-08-15 08:19:08 العقوبات الأمريكية - الأوروبية ضد روسيا.. إلى أين؟! 2017-08-08 11:54:03
    للأعلى