وجهة نظر

سكوت حر!

2017-07-20 09:57:35 |
  • إيرينى ثابت
  • يعترض المعارضون على كلمة "السكوت" ويتهمون الساكت بالخنوع والاستسلام.. بل وقد يصفونه باستسهال العبودية وعدم السعى نحو الحرية.. ولكننا هنا نتحدث عن سكوت الأحرار، لا عن الحق ولكن.....

    قرأنا كثيرا عن دواعى الكلام ودواعى السكوت، فوجدنا دواعى السكوت وفوائده أكثر بكثير مما للكلام.. ووجدنا أعظم إجابة للسؤال: متى يتكلم الحر، ومتى يصمت؟ والاجابة هى: "لا تنطق بالكلام إلّا إذا كان كلامك خير من الصمت".. لماذا السكوت إذن؟ قطعا يسكت الإنسان العاقل بسبب عدم المعرفة.. حين يكون الحديث عما لا نعلم، نلتزم الصمت.. ولكن متى نسكت ونحن نعلم؟ ومتى نحجب رأينا ومشاعرنا وتبقى لنا حريتنا؟ متى يكون السكوت من الحرية؟

    أولا: التواصل وكسب الناس

    وقد قيل فى هذا السبب ثلاثة أقوال من الحكمة:

    "الإنسان الناجح هو الذى يُغلق فمه قبل أن يغلق الناس آذانهم، ويفتح أذنيه قبل أن يفتح الناس أفواههم".

    "لا تدع لسانك يشارك عينيك عند انتقاد عيوب الآخرين فلا تنسى أنهم مثلك لهم عيون وألسن".

    "كُن مستمعًا جيدًا لتكن مُتحدثًا لبقًا".

    والمقصود أن تسكت عن انتقاداتك لتكسب الناس ولئلا يتم انتقادك أنت أيضا.. ولأنك حين تسمع جيدا وتمتنع عن الكلام كثيرا، تستطيع أن تتحدث بلباقة فى تلك المناسبات القليلة التى تستدعى منك الكلام.. أسكت قليلا تصير محبوبا!!

    ثانيا: الأمن والسلامة الشخصية والنفسية

    وقد قيل فى هذا السبب ثلاثة أقوال من الحكمة:

    "السكوت سلامة".

    "إياك وأن يضرب لسانك عنقك. مقتل الرجل بين فكيه".

    "غالبًا ماتكون أعمار الذين يصمتون أطول من أعمار الذين يتكلمون".

    والمقصود أن السكوت فى أحيان كثيرة يطيل عمرك فبدلا من أن تتناقش وتنفعل وتصيح لتقنع هذا وذاك، وتفقد عقلك وسلامك وهدوءك، اسكت واكسب عمرك ونفسك.. أيضا إذا أخطأت بكلمة فى غير موقعها قد تؤدى بك إلى الهلاك.. ويشهد التاريخ، بل والحاضر عمن أخطأ بكلمة فقطعت رأسه.. أسكت قليلا تصير آمنا..

    ثالثا: الحكمة

    وقد قيل فى هذا السبب ثلاثة أقوال من الحكمة:

    "الصمتُ لغة العُظماء".

    "ما ندمت على سكوتى مرة، ولكن ندمت على الكلام مرارًا".

    "خير الكلام ما قل وجل ودل ولم يُمل".

    والمقصود أن السكوت يعطى انطباعا لمن حولك بأنك رجل حكيم، حتى لو كنت ساكتا لأنه ليس لك باع فيما يقال.. لقد كان الملك لويس الرابع عشر يصمت ولا يتكلم سوى بما قل وجل ودل.. ولم يكن أبدا يُمل من كلامه لأنه كان مقلا فى الكلام.. لذا كان يبدو من العظماء.. ولم يفهم أحد ما كان يفكر فيه أبدا.. حتى قيل عنه: "كان كل شيء فيه نفيسًا".. أسكت قليلا تصير حكيما..

    رابعا: كتم الأسرار

    وقد قيل فى هذا السبب ثلاثة أقوال من الحكمة:

    "يحتاج المرء إلى سنتين تقريبًا ليتعلم الكلام، لكنه يحتاج إلى سنين ليتعلم لغة الصمت".

    "صدرك أوسع لسرك".

    "صدور الأحرار قبور الأسرار".

    والمقصود أننا لا نتعلم السكوت بسهولة.. نظل لسنوات طويلة نجاهد في تعلم الكتمان.. والسكوت عن أسرارنا الشخصية وأسرار الآخرين.. وكتم الأسرار لا ينفصل عن السبب السابق، فهو الحكمة بعينها.. أنظر حولك وستجد معظم المشكلات الأسرية والمشكلات بين الأصدقاء بسبب إفشاء الأسرار الشخصية، وأسرار الغير.. أسكت قليلا تصير حافظا جيدا للأسرار..

    خامسا: التعبير عن الحزن والألم

    يقولون: "السكوت علامة الرضا".. وقد يكون كذلك أحيانا فى مواقف محددة وفى أزمنة ماضية أكثر من الزمن المعاصر.. ولكن من أنبل أنواع وأسباب السكوت، بل وأغربها هو التعبير عن الحزن أو الألم.. كيف يكون السكوت تعبيرا عن مشاعر؟ يقول الحكماء: "عندما تعجز الجوارح- المقصود المشاعر- عن التعبير يبقى الصمت هو المعبّر الوحيد عن ما يؤلم الإنسان".. وقد نجحت اللغة العربية هنا فى وصف المشاعر بالجوارح.. إذ تصف نوعا محددا من المشاعر، ألا وهو المشاعر المؤلمة وكأنها تصيب نفس الإنسان بالجروح.. وهنا يكون السكوت أفضل من التعبير بالكلمات.. لماذا؟ لأن الحكماء يقولون: "إذا تكلمت بالكلمة ملكتك، وإذا لم تتكلم بها ملكتها".. والمقصود إذا صرحت بألمك، فقد تغلب الألم عليك.. أسكت قليلا لتتغلب على ألامك وأحزانك..

    وأخيرا يا ليتك تقابل هذا الإنسان، وتكون أنت هذا الإنسان بالنسبة لآخرين:

    "أجمل ما فى الحياة إنسان يقرأك دون حروف، يفهمك دون كلام، يحبك دون مقابل".

    إيرينى ثابت
    للأعلى