فضفضة

كسر لا يرممه ألف اعتذار

2017-07-19 09:55:43 |
  • فريدة دياب
  • منذ سنوات الطفولة الأولى، أشعر بأنى ممتلئة بمعنى وقيمة الصداقة. فتحت عينىّ لأجد "منى" و"سحر" صديقتى الطفولة.

    نشأنا معًا فى مدرسة واحدة، وفصل واحد، وكنا إذا تصادف ووجدت واحدة منا نفسها فى فصل مختلف نذهب إلى منازلنا ونبكى حتى يذهب أحد من أهلنا لنقلنا لنفس الفصل، وكان العقاب بالنسبة لنا حرماننا من الخروج سويًا.

    ورغم دخولنا جامعات مختلفة، ظللنا أصدقاءً، نخرج سويًا فى الإجازات الأسبوعية، وفى الإجازات الصيفية نسافر سويًا ولا نفترق، نسهر طوال الليل، نبوح بما فى قلوبنا وأسرارنا الصغيرة وكل ما يدور فى عقولنا. أحيانا نختلف ولكن لا نفترق، فحب الصديق يختلف عن أى حب آخر لأنك تجد نفسك معه، فلا تحتاج أن تفكر كثيرا قبل أن تفصح عما يدور بداخلك أو أن تتحسب لكل تصرف قبل أن تقوم به.

    أقصد هنا الصديق بما تعنيه الكلمة، وبكل ما تعنيه الصداقة وليس العلاقات العابرة أو الأشخاص الذين نتعرف عليهم بحكم ظروف أو مواقف، أو أولئك الذين يمرون فى حياتنا مرور الكرام، فقد يُمضى معك أحد الأشخاص وقتا لطيفا وقد تستمتع بصحبته ولكنه لا يملك قلبك كالصديق.

    تعرفت منى على زميل لها فى الجامعة، ونشأت بينهما قصة حب، كنت أنا وسحر شاهدتين عليها، ويوم أن ذهب لخطبتها بعد أن تخرجا من الجامعة كدنا نطير فرحًا لها، وكنا معها خطوة بخطوة حتى تزوجت، وكل من يرانا يعتقد أننا لسنا أصدقاءً بل أفرادٌ من أسرة واحدة، وكان زوجها يحسدها على وجودنا فى حياتها، لأن الصداقة أصبحت عملة نادرة.

    أما سحر فكانت تميل أكثر إلى العقلانية، تحلل كل شىء يدور حولها، وتُحكِمُ عقلها فى كل خطوة تخطوها لدرجة أننا صرنا نطلق عليها اسم سقراط. كانت سحر أول من التحق بعملٍ منا، تزوجت باختيار العقل وكان زوجها يكبرها بعشرة أعوام، وكان يعمل فى الخارج، وكم أحزننا سفرها معه. شعرت أن جزءًا من قلبى قد فارقنى وأنا أودعها فى المطار. لكننا تعاهدنا على التواصل الدائم، وبالفعل كنا على اتصال مستمر بها، وعندما تعود لقضاء عطلتهم كنا نذهب إليها ونقص عليها كل أخبارنا ومشكلاتنا وكأننا لم نفترق يومًا.

    أنا أيضًا تزوجت بعد تخرجى بعام من آخر شخص كنت أتوقع الزواج منه، كان زميلى فى المدرسة وكنا فى خلاف دائم ونحن فى مراحل الدراسة، ولكن فجأة اختلف الأمر بيننا، بعد أن تقابلنا فى مجال العمل وتحولت العلاقة إلى حب وكانت منى وسحر معى كما كنت معهما فهما أحب الناس إلى قلبى.

    ومضت الحياة، وأنجبنا وأصبح لكل منّا مسؤوليته فى المنزل والأولاد، ولكننا لم ننقطع عن بعضنا وخاصة بعد رجوع سحر وانتقال عمل زوجها فأصبحت معنا بعد عشرة أعوام. كنا نلتقى كعائلات وأصبح أولادنا أصدقاء وأزواجنا أيضًا.

    وفجأة مرضت أمى وظلت منى وسحر معى تتابعان حالتها لحظة بلحظة، وكانتا تحبان أمى وأبى فقد تربينا معًا، وكانتا عند أبى وأمى مثل إخوتى، وطال مرض أمى حتى رحلت عن الحياة فى هدوء مثلما قضت حياتها فى هدوء، فقد كانت نعم الأم والصديقة والزوجة.

    وبعد فراق أمى صار كل همى أن أحافظ على أبى من صدمة فراقها. بدأت أؤمن بشدة أن لا شىء يدعى ذكرى، فالأحداث والأشخاص الذين يعبرون دروب حياتنا إما يسقطون من القلب بعد مرورهم مباشرة، أو يصبحون جزءًا من نسيج الروح والنفس، فتتداخل حياتنا معهم ونغدو دائرة لا تعرف بدايتها من نهايتها، ليرتحلوا معنا أينما حللنا فلا ذكرى ولا نسيان، فيكونون عندما نكون.

    بعد عامين من رحيل أمى توفى زوج منى فى حادث كبير مفاجئ، وكان ذلك بالنسبة لنا كارثة ولكنه قضاء الله الذى ارتضيناه وحاولنا بقدر الإمكان التخفيف عنها، والوقوف معها لتسترد نفسها وتتماسك مرة أخرى وتواصل حياتها من أجل أولادها. وشعرت يومها أننا كبرنا وبصمات الحزن بدأت تترك آثارها علينا، لكن الحياة تمضى بكل ما فيها، وبدأ هذا الشعور ينمو بداخلى حين قررت سحر الانفصال عن زوجها!

    كان ذلك قرارها ولم نستطع أن نثنيها عنه فقد رأت استحالة الحياة معه لاختلاف طباعهما رغم كل هذه السنوات من العشرة، واحترمنا جميعًا قرارها، ولكنى شعرت بلمحة غموض فى هذا القرار وتحدثت مع والدى الذى يتمتع بعقل راجح وروح يملؤها الشباب، ونصحنى بألا أخوض معها فى الحديث مهما كانت درجة الصداقة بيننا إلا إذا رغبت هى فى الحديث.

    بالفعل تحدثت سحر معى بعد ذلك عن خيانته المتكررة لها وأن كرامتها كانت تمنعها من الحديث حتى معنا! وشعرت بقلبى ينزف عليها، فكلما زاد ألمك عجز لسانك عن البوح لأعز الناس وشعرت بكم الإهانة التى شعرت بها صديقتى التى كتمتها عنا جميعًا ودعوت الله أن يهديه ويصلح الحال ولو بعد حين.

    الظروف التى نتعرض لها تغير كثيرًا من ملامحنا، فنحن بشر ولكن إلى أى حد نتغير؟ نعم فقد تغيرت كثيرًا فمعظم أوقاتى أصبحت ملك أسرتى وأبى الذى أصبحت أخشى أن أنام يومًا وأستيقظ فلا أجده، أو لا أجد أحدًا من الأحبة، موت أمى جعلنى مريضة، ليس بمرض عضوى ولكن بمرض الخوف من الفقد، وكأنى أنا من بيده المنع أو الرضا، وكنت أعترف بأنى مريضة ولكنى احتاج وقتًا حتى أتجاوز هذا الشعور.

    أما منى فقد باتت غريبة الأطوار، أصبح كل حديثها عن رجال يحاولون التودد إليها وكثير منهم متزوجون ولديهم أطفال، والغريب أن معظمهم أشخاص نعرفهم، وهذا ما أثار استيائى، ولم أستبعد كلامها خاصة أنها أصبحت أرملة، ولم أفكر فيما تقول ولو للحظة.

    لم يتوقف الحال عند هذه المرحلة بل أصبحت غريبة أيضًا فى شكوكها تجاه الآخرين ونحن أيضاً!! ففى يوم اتصلت بى وكانت ترغب فى زيارتى ولم تكن ظروفى تسمح فى ذلك الوقت، إذ كانت لدى التزامات مع أبى، وكان زوجى فى إجازة فاعتذرت لها. طلبت منى مرة أخرى أن تأتى لزيارتى وكنت مع ابنى عند الدكتور واعتذرت لها بأنى لست فى المنزل وشرحت لها الموقف، ولكنى شعرت بأنها غضبت، وتفهمتُ أنها أصبحت تعانى من الشك فى جميع البشر، بل أصبحت تريد عندما تطلب شيئًا أن ينفذ فى الحال، وبعد أن انتهينا من عند الطبيب مررت عليها فى المنزل فقالت: قولى بقى إنك مش عاوزانى آجى عندك

    أنا: ليه يا منى مش عاوزاكى تيجى؟

    منى: شوفى إنتى خايفة من إيه أو على إيه !!

    أنا: عيب يا منى أنا مش هرد عليكى لأنى عارفة إنك متضايقة

    وأخرجت من حقيبتى روشتة الطبيب وطلبات التحاليل المطلوبة لابنى بتاريخ اليوم، وتركت منزلها مدعية أنه سوء فهم ولكنى كنت حزينة وأنا أحاول الدفاع عن نفسى أمام إنسانة أعتبرها صديقة عمرى، وبعد وصولى إلى المنزل تكلمت مع سحر، وقصصت عليها ما كان بينى وبين منى، ولكن سحر لم ترد الرد الشافى عن موقف صديقتنا، وقصصت الأمر على أبى الذى قال لى إنه يرغب فى الحديث معها فهو يعتبرها ابنة ثانية له، ولكن زوجى أبدى عدم ارتياح وقال لى إنه أصبح يسمع عنها كلامًا بين الأصدقاء غير مريح بالمرة، فانفعلت على زوجى وقلت له إن الناس لم يعد لديهم إلا الاتهامات الباطلة، وإنه لا ينبغى أن ينصت لكل ما يقال!

    لا أدعى أننى ملاك فلى أخطائى مثل كل البشر، ولى أيضًا مساوئى ولكنى لا أخون ولا أغتاب. كان أبى يذهب كل يوم اثنين إلى النادى ليجلس مع أصدقائه فاتصل بمنى وطلب منها أن تقابله فى النادى دون علمى، وذهبت منى وقابلته، وعاد من النادى حزينًا ولا يرغب فى الحديث، وفى اليوم التالى قال: "ابعدى عن منى الواضح إننا معرفنهاش كويس رغم السنين دى كلها".

    حاولت أن أفهم منه، لكنه امتنع عن الحديث ولم يمض كثير حتى جاءنى الخبر اليقين من سحر التى لم تستطع الصمت أكثر من ذلك، فقد أشاعت منى أننى أغار على أبى منها، وأن أبى يرغب فى الزواج منها وأنها رفضته لأنه يريد أن يتزوجها زواجًا عرفيًا!

    صارحت أبى الذى خرج عن صمته وأفصح عما رآه منها يوم أن قابلها فى النادى من أجل أن يصلح الحال بيننا، ودفعنى كلام أبى إلى أن أعرف حقيقة كل ما كانت تحكيه عن كثير من أزواج صديقاتنا واتهاماتها الباطلة بحقهم.

    من أنتِ؟ أنتِ شخص غريب لا أعرفه، لست منى صديقتى التى تربيت معها. هل هناك أمَرُّ من جرح من أحببنا! فجراح أحبائنا لا يداويها الزمن ولا الأيام، ولا يجبر الخواطر إلا النسيان ولا شىء غير النسيان، فالخواطر والقلوب أعز ما يملك الإنسان وكسرها هو كسر لا يرممه ألف اعتذار واعتذار.

    الكلام لا يصف جرح قلبك على صديق اعتبرته جزءًا من حياتك، ومن ذكرياتك، فحب الصديق يختلف، فهو لك السر وهو المرآة التى ترى فيها نفسك. هو الحب بلا مقابل، وأحيانًا تشعر أن له ضمانًا مدى الحياة. يعرف عنك ربما أكثر من نفسك، ولكن الظروف تغيرنا، ولكن إلى أى مدى يصل بِنَا هذا التغير؟!

    لقد مرت سحر بظروف قاسية بسبب طلاقها وخيانة زوجها، وتغيرت بحكم الزمن ولكن لم يتغير معدنها، فهى كما عرفتها طوال عمرى، اختلفت ولكنها لم تتغير، أنا مررت بالكثير واختلفت ولكنى لم أتغير.

    مواقف كثيرة ولكن إلى أى مدى يفترض أن يكون التحمل؟ ليس معنى أن إنسانًا ظُلم فى موقف أنه برىءٌ فى كل المواقف. واليوم أسأل نفسى وأسألكم: هل الظروف التى تغير الإنسان أم أننا نخُدع أحيانا فيمن نعرفهم جيدًا؟

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع "فيسبوك" Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب.

    فضفضة فريدة دياب
    للأعلى