وجهة نظر

لأننا نريد أن نحكى!

2017-06-13 08:39:19 |
  • يسرى الفخرانى
  • يسرى الفخرانى‎

    أحب قصص الناس، كل قصة إنسان تخفى سرا أو تفسر سرا، أبحث عنها وأشتهيها كما فنجان قهوة فى صباحٍ صافٍ له شمس طازجة تحاول أن تتغلب على برد متسلسل.

    أعشق هذه الرسائل التى تصلنى تحمل قصة شخص ما فى مكان ما، شخص لا أعرفه قرر فى لحظة اشتياق أن يحكى لى قصته أو بعض قصته أو بعض منه!، أو شخص يجدك صدفة أمامه فى مقهى مثلا، فيسحب كرسيا ويجلس ويحكى دون أن ينبهك إلى أن فى ما سيحكيه مشاهد ممنوعة، إما لعنفها أو لقسوتها أو لدهشتها أو لخروجها عن الآداب العامة، هو قرر أن يحكى ويستريح وليكن ما يكون.

    عندما نحكى نتحول إلى أدباء من طراز فريد، نفرد أشرعة موهبة نكاد لا نعرفها مع أنها داخلنا، نحكى فنصبح كما قصة أطفال، لا نخفى التفاصيل، لأننا نريد أن نحكى.. ونستريح.

    منذ عشرين عاما وهوايتى أن أجمع القصص الحقيقية التى فيها رائحة الحياة بكل صدقها ودهشتها، وكل ما فيها من مفاجأت لا يتوقعها أحد. كم قصة جمعت.. ألف.. وأكثر، نشرت بعضها، وكان لى فى النشر حكمة أؤمن وما زلت بها، أن نرى الحياة برؤية حياة الآخرين، أن نتعلم من كل الزوايا، من الصواب ومن الخطأ، أن نعرف.. مهم أن نعرف، وهكذا.. جمعت ألف وأكثر من قصص تلهمنى، وقد طبقت القاعدة الأولى: أن أتعلم أولا.. ثم أرويها ليتعلم غيرى.

    ثم هناك مثل مصرى قديم حقيقى يقول: "..من شاف بلاوى غيره.. هانت عليه بلوته.."، المعنى أنك مهما عانيت أنت صفر على شمال معاناة إنسان آخر فى نفس اللحظة، مهما بكيت فإن دموعك أقل من أن تملأ بحرا صغيرا فى حزن إنسان غيرك.

    وتستطيع أنت أيضا أن تفعل، أن تكون مستمعا جيدا أمينا لقصص من حولك، أن تمنحهم بعض وقت وكل أذنيك وسعة صدرك وثبات ابتسامتك وروعة صبرك ورحمة قلبك وبساطة لسانك، وتصبح محمية لقصص من يريد أن يستريح من عذاب قصته وتقلباتها، لا تتصور عدد الذين يريدون أن يتكلموا.. ليستريحوا، ولا تتصور كم هى متعة أن يستريح على المقعد المجاور لك شخص مرهق من حكايته؟، فيحكيها بالهناء والشفاء، فالحكى ثرثرة مريحة، تزيح الهم من القلب، وتشفى ما فى الصدر من ثقل، احكى واسترح، كلنا نريد أن نحكى.. المؤلم و المزعج أن قليل يريد أن يستمع، وإذا فعل فمن باب التسلية أو النميمة أو ربما الواجب، القليل جدا.. يفعلها لأنه يريد أن يرى، فأنت لا ترى الناس إلا إذا تكلموا، ولن تفهمهم إلا إذا حكوا، ولن تدخل دنيا وأنت واقف على بابها موارب الباب ومتردد، لا تسمح لأحد أن يحكى، ولا تسمع من أحد إلا نفسك.

    إننا مثل البيوت القديمة، ترتاح إلى أن تتكئ على بيت مجاور، بيت صديق، تعيش سنوات طويلة تبدو أنها آيلة للسقوط بينما هى ثابتة على كتف جدار آخر. تتونس ببعضها، هناك ـ حتى فى المسافة بين الحجر والحجر ـ لغة تفاهم، حروف يتبادلون بها حديثا ذا شجون، وفى آخر الليل.. يرتاح الكتف على الكتف، وينام الحجر نوما هادئا مطمئنا!.

    بسرى الفخرانى
    للأعلى