وجهة نظر

تونس الخضراء

2017-05-31 08:58:52 |
  • إسلام الغزولي
  • فى الدولة المصرية هناك نماذج كثيرة للعمل المشرف، التى تؤكد قدرة أهل هذا البلد على النهوض من العدم، ومنها نماذج أعلنت الاكتفاء الذاتى من خلال التكافل الأهلى الذى نهض بقرى كاملة دون أن يكلف الدولة مليما واحدا.

    قرية تونس بمدينة الفيوم هى أحد هذه النماذج المضيئة، اشتهرت بصناعة الفخار، واستطاعت القرية أن تتحول لمزار عالمى لمحبى هذا الفن، الذى أحيته من بعد أن أوشك على الانقراض الفنانة السويسرية إيفلين بوريه، التى علمت أهالى القرية حرفة صناعة الخزف والفخار، وساعدتهم على تقديم بضائعهم بشكل لائق ومحترف.

    مع الوقت تحولت تونس القريبة من غابة القاهرة المشبعة بالدخان والتلوث، إلى واحة للاستشفاء، تشبع القادمين إليها بالجمال سواء بموقعها الخلاب على بحيرة قارون، وتمتعهم بالفن الفطرى، فصارت قبلة للفنانين والباحثين عن القطع الخزفية الجميلة على الطراز المصرى والعربى وكل أشكال وتصاميم الخزف.

    قصدها الكثير من الفنانين والأجانب للإقامة الدائمة، حتى تحولت تلقائيا إلى ما يشبه المنتجع السياحى، دون تخطيط من الدولة أو رجال أعمال.

    لكن مع الأسف وردت فى الأسبوع الماضى شكاوى من أهالى قرية تونس بتهديدهم بسحب قطع أراضى وهدم ورش اثنين من فنانى الخزف، وهى قطع أرض صغيرة، وقيل أن مجلس المدينة قد برر هدم الورش بحجة إقامة نقطة شرطة، الأمر الذى أثار اعتراض أصحاب الورش جميعا، وقد أغلقوا ورشهم احتجاجا على ذلك، فما كان من مجلس المدينة إلا أن هددهم بسحب الأراضى منهم جميعا وطردهم.

    الحقيقة أن استرداد أملاك الدولة أمر إيجابى لكن التحلى بالعين القادرة على التفريق بين من حوّل الأرض وعمّرها لمنفعة مجتمعه وبيئته المحيطة ومن اغتصبوها بهدف كنزها والمتاجرة بها يعد هو الأخر أمر ضروريا.

    صحيح أن السيد رئيس الجمهورية قد وجه باسترداد الأراضى، لكنه هو ذاته أيضا استمع لأصحاب المظالم ووعد بتقنين أوضاع من زرعوا الأرض وعمروها.

    أهالى قرية تونس استطاعوا بناء نموذج إيجابى من العدم، ودون اللجوء إلى الدولة والاتكال عليها، ومن الضرورى الآن أن تبادر الدولة بتقنين أوضاعهم، خصوصا من التزم بسداد كل الالتزامات الناتجة عن تقنين وضعه، وبدلا من أن تهددهم الحكومة بسحب الأراضى، كان الأولى بها أن تبحث مساندة صناعاتهم التى تأثرت كما تأثرت كل المهن اليدوية بغياب السياحة، وتعميم نموذجهم الناجح فى مناطق أخرى.

    ثم دعونا نسأل السادة مسؤولى المجلس المحلى، ما هى فائدة نقطة الشرطة إذا كرهها الجميع وشعروا أنها قد تم بناوها على أنقاض بيوتهم وورشهم التى بنوها وبدلا من أن يتوجه السادة المسؤولون إلى الأراضى الكبيرة والتى لم تستصلح أو تعمر، توجهوا للحرب مع مجموعة من الريفيين البسطاء لتهديد مصدر رزقهم.

    مثل هذه الحادثة تسيئ للقانون وللدولة، ولا بد من الوقوف على حقيقة الموضوع، وأن يوضح لنا السادة المسؤولون أسباب هذا التحرك السريع وغير المدروس.

    إسلام الغزولى
    للأعلى