فضفضة

أشباه الرجال

2017-05-17 10:51:25 |
  • فريدة دياب
  • فضفضة

    غالبًا ما تستهوينا قصص الحب السعيدة، فحينًا نرى فيها الخلاص من حاجز الخوف من الحياة، وأحيانًا نرى فيها ما كنّا نتمنى أن نحياه من مشاعر أو لحظات صدق نفتقدها، فنستسلم أمامها هربًا من واقع قد يفتقد الحب، خصوصًا إذا ما تربيت فى بيت يفتقد الحب.

    طلق أبى أمى جريًا وراء المجهول ووراء نزواته الحائرة، لكنّ أمى صمدت من أجلى أنا وأختى، وظلت تتعامل مع أبى بحكمة وصبر لكى تستطيع أن تأخذ منه ما يكفى لتعليمنا وتدبير حياتنا لتوفر لنا أبسط حقوقنا فى الحياة مُضحيةً فى سبيل ذلك بكبريائها من أجلنا، ‎ومع ذلك كان والدى يتصرف وكأنه يمُنُّ علينا بما ينفق. كنت دائمًا أتساءل بينى وبين نفسى: ألا يكفيه ما استباحه لنفسه من مغامرات ونزوات؟ وهل يريد أن يضِنَّ علينا بأبسط حقوقنا؟!

    ‎لطالما حسدت أمى على صبرها، بل كثيرًا ما كان يفيض بى من قدر إشفاقى عليها وشعورى بقدر الألم الذى تتحمله من أجلى أنا وأختى فأزدادُ نِقمةً على والدى، وغضباً منها. كم سألت نفسى وتساءلت: لماذا تتحدث معه بهذا اللطف وكأنها تستجديه؟ بل كيف تطيق أن ترسم مثل هذه الابتسامة الباهتة على وجهها وهى تتعامل معه؟ لكنى حين نضجت أدركت أن الاحتياج يضعف النفس، وأن الإنسان قد يضطر للتنازل عن الكثير من كبريائه، وقد يصل الأمر إلى أن يضع بعضًا من كرامته فى مخزن الذكريات، أو ينتهى بها الأمر فى سلة المهملات، فكان الدرس الأول الذى كتبت على أحوالُ أسرتى أن أتعلَّمه هو أن "الاحتياج مذلة".

    ‎ورغم معاناة أمى، السيدة العظيمة، فقد استطاعت رغم كل هذه الظروف أن تجعل منّا أشخاصًا أسوياءَ مفيدين لذاتهم ولمجتمعهم، فقد درّبت عقولنا على التفكير وعلمتنا أن نحسِبَ تصرفاتنا بدقة، وأن نعتمد على أنفسنا حتى أتممنا تعليمنا وتخرجنا فيما يسمّونها كليات القمة والتحقنا بأعمال ووظائف محترمة.

    فور تخرُّجِنا، تزوجت أختى ممن أحبت، وكان هذا أمرًا طبيعيًا، فقد كانت فتاة مرهفة الحس رقيقة المشاعر مسالمة متصالحة مع الحياة، وما إن تزوجت حتى صار همُّ أمى وشغلها الشاغل أن أتزوج أنا أيضًا لتشعر بأنها قد أتمّت رسالتها وأدت المهمة التى ضحّت بمشاعرها وكرامتها وكبريائها من أجل تأديتها، خصوصًا أن العمر تقدم بها وأصبحت تعانى المرض. نعم لقد أعيتها السنوات وأتعبها الزمن وحمَّلها والدى بأنانيته وحبه الطاغى لذاته ما يفوق طاقتها، لكنّ كرَمَ اللهِ لا يتأخر، فقد استجاب لدعائها وبعد زواج أختى بعام تقدم "مجدى" للزواج منى.

    ‎كان مجدى من عائلة مُقتدرة، وقرر أن يتزوج فور أن عاد لمصر بعد عدة سنوات من العمل فى الخارج، وعلى الرغم من أنه يكبرنى بعشر سنوات، كانت شخصيته تختلف كثيرا عن شخصيتى، فأنا رزينة وأهتم بالعلم لحد كبير، أما هو فرغم نجاحه فى عمله كان سطحيًا يتعامل فقط مع قشور الحياة. لا يحاول أن يغوص فى أعماق أى شىء. يحب أن يعيش الحياة ويستمتع بكل جوانبها، وربما هذا الاختلاف بجانب رقته فى التعامل هو ما جذبنى إليه، فقد رأيت فيه حالة أبسط إدراكا وتعاملا مع الحياة بكل أبعادها.

    ‎بالفعل تزوجنا بعد عام واحد من الخِطبة، وانتقلت للحياة فى مكان جميل، وكان كل شىء مهيأ لأن تكون الحياة مستقرةً وهادئةً، كنت أحاول أن أتعايش مع كثير من طباعه وطلباته التى كثيرًا ما كنت أتعجب من نفسى وأنا أُلبيها. من يعرفنى جيدًا كان ينظر إلىَّ بتعجب وكأنهم يقولون: "من أنت؟"، لكنى كنت سعيدة بذلك فقد أحببته بالفعل رغم كل الاختلاف بيننا، كان عمله يتطلب منا أن نسافر كثيرًا، وكنت غالبا ما أسافر معه ولكن بعد أن أنجبت ابنى الوحيد أصبحت لا أستطيع السفر معه كما اعتدنا، وأيضًا لأن ظروف عملى لم تعد تسمح بالسفر المستمر معه.

    بعد عامين من الزواج اكتشفت بالصدفة البحتة أنه يقابل سيدة معه فى العمل، وأن ذلك يحدث بصفة متكررة بعد مواعيد العمل!! واستوقفنى أنها سيدة متزوجة فصرت فى حيرة فربما يكون هناك سبب فى العمل يستدعى ذلك، أو أنها مجرد زمالة عمل، ومع تزايد حيرتى قررت مواجهته بظنونى، وسألته فكانت إجابته أنه عمل ليس أكثر. مر الأمر بهدوء دون مشاجرة أو حدة فى النقاش، ولكن ظل فى أعماقى شىء من عدم الاطمئنان، احتفظت به بداخلى فى صمت، لكن عقلى لم يستسلم، فظلت تراوده الظنون وصرت أكثر حذرًا فى متابعتى لتصرفاته ومواعيد خروجه وأسلوب حياته. كان هاجسُ ما تعرضت له أمى من والدى يطاردنى بين الحين والآخر، فيجعلنى أزدادُ حذرا وأُفيق من استسلامى.

    ‎بعد مرور عام على هذه المشكلة، جمعتنا الظروف مع مجموعة من الأصدقاء لمواساة صديق لنا وزوجته التى فقدت والدها وأخيها الوحيد فى حادث سيارة، وقد تأثرت زوجته بدرجة كبيرة جدًا حتى أصبحت لا تتكلم مع أحد وفقدت كثيرًا من وزنها، خصوصًا أن لديهم مشكلة فى إنجاب الأطفال، اقترحنا عليه أن يساعدها على الانشغال بعمل يخرجها من الاستغراق فى تلك المأساة، ويخفف عنها ويجعلها تنسى الظروف التى مرت بها. اقترح زوجى أن تعمل معه ووافقنا جميعا على اقتراحه النبيل!!

    وبدأت بعد إلحاح فى العمل معه، وتلقاها زوجى وصار يصطحبها معه فى كل مرة يسافر فيها إلى الخارج، وهناك يلبى لها كل طلباتها ولا يدخر وُسعًا فى إسعادها وهو يعلم الجروح التى تعانى منها، فأخذ يقترب أكثر وأكثر حتى أصبح الأمر لافتا لأنظار الناس، وبدأت الهمسات تدور حولهما، فطلبت منه أن يقلل من السفر معها لكنى فوجئت برفضه. بدأت أشعر بالخطر وزادت هواجسى من شىء صار يهدد حياتى، فبدأت أراقبه حتى تأكدت بالعين والصوت والصورة من خيانته إياى، فى نفس الوقت الذى طلبت فيه تلك الزوجة الطلاق من زوجها.

    طلقها زوجها على الفور، وأصبحت حرة لا يمنعها شىء من أن ترتبط رسميًا بزوجى، لكن المفارقة الكبرى، أن مجدى رفض الزواج منها بعد أن تسبب فى خراب بيتها وانفصالها عن زوجها. أما أنا فلم أكن مهيأة للانفصال عنه، ربما بسبب الدرس الأول الذى تعلمته فى الحياة: "الاحتياج مذلة". ظللت دون أن أدرى أجمع ما أستطيع من أدلة تدينه فى كل شىء، وواصلت حياتى معه بلا روح، فقد صار ابنى وعملى هما محور حياتى ووقتى واهتمامى، وظللت أحافظ على المظهر الاجتماعى لأسرتى أمام كل من حولنا، لكنى أيقنت أن مجدى إنسان غير طبيعى بالمرة، فهو لا ينظر إلا للمتزوجات!

    ‎كل يوم يمر كان يزداد زوجى ثراءً وسوءًا فى سلوكه وطباعه، وفى إحدى الجلسات مع أصدقائنا كنا نحتفل بزواج واحد منهم للمرة الثانية بعد طلاقه من الأولى، وشعرت بنظرة زوجى إليهما ولم يمض عام على هذا اللقاء إلا وانتشر بين معارفى رؤيتهم زوجى أكثر من مرة وفى أكثر من مكان مع زوجة صديقه الجديدة، كأنه قرر حين كنّا نحتفل بهما أن يشاركه فيها!!

    لم يمر وقت طويل إلا وقد طلق صديقه زوجته بعد اكتشافه عن طريق الصدفة وجودها مع زوجى فى إحدى السفريات، وبالطبع وكعادته لم يستجب زوجى لها بعد طلاقها ولم يقبل بالزواج منها فابتعدت وسافرت للخارج لتستكمل حياتها بعيدة عنه، بعد أن دمر حياتها وشوّه سمعتها.

    ‎كان مجدى يواصل حياته بعد كل قصة من تلك القصص الرديئة كأنها لم تكن، وربما كان يشعر بالانتصار لأنهن تركن حياتهن وأزواجهن جميعًا من أجله، وكن يرغبن فى العيش معه وأن تجمعهن به حياة كاملة، إلا أنا، زوجته وأم ابنه صاحبة الحق، فقدتُ الإحساس به وأصبحت لا أراه، ‎وركزت كل تفكيرى فى عملى وابنى. حصدت الكثيرَ جرّاء اجتهادى فى عملى فقد ذاع صيتى وأصبحت من أصحاب العقول التى يفتخر بوجودها أماكن كثيرة، وحينها وجدت أن وجودى معه يعطلنى عن أشياء كثيرة، لكنى لا أريد الطلاق! ليس خوفًا من مجتمع مريض ولكن لأنى أصبحت غير راغبة فى الزواج من غيره، ولا أريد لابنى أن يعيش مشتتَ الفكر بسبب أب مريض نفسى، حتى جاءت لحظة المواجهة، فقد أخرجت كل ما بداخلى بالصوت والصورة وساومته، نعم ساومت زوجى بكل الأدلة التى أمتلكها ضده، وطلبت منه أن يبقى كلانا فى بيت منفصل، بحيث نكون أمام المجتمع زوجين.

    طلبتُ بيتًا يليق بى وبابنه، وحسابًا فى البنك باسمى، وسيارة جديدة تليق بى، طلبت أن يكمل ابنى تعليمه على أعلى مستوى، وقد وافق على كل طلباتى بلا نقاش. لم يكن همى المال بقدر ما أهمّنى أن أؤمّنَ ابنى وحياته من أب قد يذهب كل ما يملك فى يوم من الأيام فى الاندفاع وراء نزوات ليس لها آخر، ونسى أن ثروة الرجل ليست بماله وجاهه، فهذه الشكليات قد تغادر مكانها وترحل وما يبقى هو الثروة الحقيقية، ثروة الرجل بهيبته وحبه للمرأة فيحبها كزوجة لا خادمة أو مربية، فالمرأة المخلصة ثروة يجب أن تحفظ نفسها وتصون روحها ووجدانها وكل كيانها لمن يستحقها من الرجال وليس لأشباه الرجال.

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع "فيسبوك" Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب.

    فضفضة فريدة دياب
    للأعلى