فضفضة

ما بعد الاغتصاب

2017-03-15 10:00:35 |
  • فريدة دياب
  •  ‎الابتعاد عن الناس غنيمة، هذا ما تربيت عليه أنا وأخوتى، فقد كان ذلك شعار أبى فى الحياة.

    وكانت كل العائلة تمدح وتحسد أبى وأمى على حسن تربيتهم لنا، فكانوا يرون أننا كبنات لا نخرج بمفردنا أبداً وحسن مقابلتنا للجميع، وصوتنا الخافت، كلهم يتمنون لو يتزوج أحد أبنائهم من بيتنا.

    ‎وما إن تخرجت من الجامعة، حتى تقدم عمى وزوجته لخطبتى لابنهم "خالد"، الذى كان يكبرنى بخمس سنوات، حيث كانوا يرون فى زواج أولاد العم ميزة، فمنها لا تخرج أرضهم لغريب ومنها كقول كثير من العائلات "زيتنا فى دقيقنا"، فضلاً عن أنهم يرون فى أخلاقى ما لن يجدوه فى بنات أخريات.

    ‎كان خالد شابًا وسيمًا، يتسم بحسن الخلق وخفة الدم. ومنذ الوهلة الأولى شعرت بأنه الرجل الوحيد فى الدنيا، وتعاملت معه من هذا المنطلق، وتم زواجنا بيسر وسط فرحة العائلة.

    ‎حياتى مع خالد كانت كالحلم الجميل، الذى لم أرغب أن أُفيق منه أبداً، وخلال تسع سنوات أنجبنا ثلاثة أولاد، كانوا نعمة الله علينا خلقاً وعلماً.

    ‎كان زوجى يعمل لفترات طويلة، أما أنا فلا أعمل، ومع الوقت بدأت أشعر بالملل، والأطفال فى هذا السن تكون طلباتهم كثيرة وشجارهم أيضاً لا ينقطع، وعندما عبَّرت له عن شعورى بالملل نصحنى بأن تكون لى حياة اجتماعية، فأخرج نهارًا إلى النادى ألتقى مع سيدات مثلى، أو أمارس الرياضة لكى لا أشعر بالوحدة والاكتئاب.

    ‎وبالفعل أصبحت أذهب إلى النادى بعد ذهاب أولادى للمدارس، وأمارس رياضة المشى، ثم أجلس لتناول الإفطار مع بعض الأصدقاء، إلى أن تكرر لقائى بسيدة فى مثل سنِّى، معتدلة فى ملابسها ومظهرها مثلى. تبادلنا ابتسامة ثم أصبحنا نتبادل السلام ثم انتقلت للجلوس معى، وأصبح لقاؤنا يومياً روتينًا يوميًا فى حياتى، وإذا تعذر خروجى تتصل بى وتسأل عن السبب، وأنا أتبع معها نفس الأسلوب.

    ‎استمرت علاقتى بـ"منى" على ذلك الحال، قرابة ستة أشهر، ولم يحدث أن رأيت منها ما يشين، وذات يوم التقينا كعادتنا ولكنى كنت فى حالة اكتئاب شديدة، بسبب بعض المشكلات فى عمل زوجى، مشكلات تأثرنا بها مادياً، فحكيت لها عن مشكلاتنا وهى تواسينى وتقول إن هذا هو حال الكثيرين من الناس حولنا، واقترحت علىَّ أن نقضى اليوم خارج النادى ونذهب إلى صديقة لها تستورد ملابس من الخارج، وتبيعها بأسعار أقل من المحال، وسيدات كثيرات يشترين منها، وعرضت علىَّ بعض صور من هذه الملابس التى اشترتها، فوافقت أن أذهب معها.

    ‎وعندما وصلنا للمكان، كان كل شىء طبيعياً جداً، استقبلتنا سيدة متوسطة العمر، تتسم بابتسامة رقيقة ووجه جميل، وطمأنتنى بأن كل الحاضرات فى المكان نساء، وأنها متزوجة ولديها طفلان، ثم قدمت لنا عصيرًا وحلوى، وأخذنا نتحدث قليلاً قبل أن نبدأ فى جولة بالمكان لرؤية الملابس، ثم شعرت بدوار شديد ولم أتمالك نفسى واستيقظت لأجدنى مع رجلين لا أعرف عنهما أى شىء!! وقبل أن أصرخ أو أفتح فمى عرضا علىَّ بعض الصور الفاضحة التى التقطاها لى وأنا معهم، وأخبرانى بأنهما يعرفان عنى كل شىء، وعن زوجى وعن بيتى، وأولادى ومدارسهم، وأهلى وأنهما سيعرضان تلك الصور عليهم، ويفضحا زوجى إن لم أدفع لهما مبلغًا كبيرًا من المال، وأعطيانى مهلةً 3 أيام!!

    ‎عدت إلى منزلى منهارةً، أشعر بزلزال يكاد يدمر حياتى، فبين ليلة وضحاها صرت بقايا إنسان، أبكى بلا دموع وأصرخ بلا صوت، أغتسل بالماء ولا أشعر أنى تطهرت مما حدث لى، ‎ولَم أحتمل ما حدث حتى أصابنى إعياء شديد، وارتفعت حرارتى بلا مرض وارتفع ضغط دمى، وعندما عاد زوجى وجدنى فى حالة يُرثى لها، ظن أنى مريضة فأعطانى علاجًا، وطلبت منه أن أنام بمفردى حتى يستطيع أن يذهب إلى عمله فى موعده.

    لم يغفل لى جفن ليلتها فأنا لا أعرف ماذا أفعل. ‎هل أصارح زوجى بما حدث وليكن ما يكون؟ ‎هل أذهب إلى أهلى لينجدونى من عذابى؟ ‎هل أنتحر وأخلصهم جميعاً وأخلص نفسى من عار لحق بهم وبى نتيجة سذاجتى وقلة خبرتى رغم أنى لست فتاة صغيرة؟ ولكن هل سينسون من أنا ومن أكون، هل سينسون أنى عشت طوال حياتى معهم بلا أخطاء؟ كاد عقلى أن ينفجر من أسئلة تراودنى ولا أجد لها إجابة، ولكنى كان لدىَّ يقين بأنهم لن يصدقوا ما حدث لى..‎ وإن صدقوه فلن يغفروه.

    ‎فى اليوم التالى حاولت أن أتصل بمنى، وبالطبع وجدت الموبايل مغلقًا، ذهبت إلى المكان وأخذت أتجول حوله لعلّى أرى أى شىء يقودنى لها، لكنى لم أجد شيئًا، وقادنى عقلى إلى أن أذهب لأختى وعندما دخلت عليها صُدمت من منظر وجهى الشاحب، كذبت عليها لما سألتنى عن السبب، لم أستطع أن أخبرها بما حدث لى، ولكنى طلبت منها مبلغًا من المال، قلت لها إنه لزوجى وطلبت منها ألا تخبر أحدًا حتى لا يشعر زوجى بالحرج وهى تعلم جيداً عزة نفسه، ووافقت فوراً ودبرت أنا بقية المبلغ من معى، واتصلوا بى لأدفع المبلغ أكثر من ثلاث مرات، وكل مرة كان اتصالهم من رقم مختلف إلى أن حددوا مكان تسليم المبلغ وكان على ناصية منزلى!!

    ‎بالفعل أعطيتهم ما أرادوا لكى أتخلص منهم، ظناً منى أنى بذلك قد أطوى صفحة المأساة التى تعرضت لها، لكن نفسى لم تهدأ فبدأ جلد الذات والحزن الذى لا يحتمله بشر، فأنا لا أستطيع حتى أن يلمسنى زوجى، هل تعلمون من أنا؟ أنا المرأة التى تاجها هو عرضها، وحياتها هى زوجها، أنا من ربانى أبى على الصلاة والصوم ومعرفة حدود الله، أنا التى لا أنظر فى عين رجل وأنا أتحدث، من الخجل، أنا أم لثلاثة أطفال هم نور عينى وكل أملى فى الحياة، هل يشفع لى كل هذا؟

    ‎مضت 6 أشهر على ما حدث، وزوجى يذهب بى إلى الأطباء لأنى ذبلت ونقص وزنى كثيراً، وأصبحت مريضة بالسكر وضغط الدم، وهو لا يتوانى عن خدمتى، ولا يعلم أن مرضى ليس له علاج، فأمراض النفس لا تشفى إلا بالبوح والمساندة، وأنا لا أستطيع الكلام، وفجأة ظهروا مرة أخرى فى حياتى وعادوا لطلب المال منى وتهديدى بأنهم سيفضحون أمرى أمام الجميع، فوجدت نفسى أمام ابتزاز لن ينتهى، ورحت أسأل نفسى من أين سآتى لهم بالمال؟ ووجدت أن الحل فى البوح لزوجى وإلا سأظل فى دائرة لن أخرج منها، وإننى أمام قدر لا بد وأن أواجهه.

    ‎جاء يوم الفصل، يوم أن أخبرت زوجى وهو يوم لو تعلمون عظيم، وأنت ترى رجلاً يشعر أن الموت أفضل له مما يسمعه، ينظر إلىَّ وكأنه يرانى لأول مرة ويود أن يقتلعنى من فوق الأرض، سألنى سؤالاً واحداً: "ليه مكلمتنيش وقلتى إنك رايحة معاها شقة تتفرجوا على هدوم؟"، فأجبته: "افتكرت عادى كل الناس بيروحوا حاجات زى دى، ومنى انت شفتها معايا مرة، يبان عليها محترمة وكويسة".

    ‎كان زوجى أقدر على مواجهة ما حدث، وصمم على ضرورة كشفهم وعقابهم، وبدأت رحلتنا مع تحريات المباحث والبحث عنهم، ‎وأثناء ذلك علم أهلى بكل شىء وبدأ عقابى من الجميع، ‎فأصبحت بالنسبة لزوجى امرأة غريبة لا يستطيع أن ينظر فى وجهها، حتى قالها أمام أمى إنه يود لو تزوج من امرأة متفتحة عنى فما الذى جناه من زواجه بامرأة ساذجة لا تعرف كيف تحمى نفسها من شرور الآخرين، وأنه لو كنت أخبرته قبل الذهاب لكان منعنى!! وأنى أم غير أمينة على تربية أولاده وأنه سيربيهم بعيدًا عنى، وأن انفصالنا أصبح أمرًا حتميًا.

    ‎أما أمى فقد أصابها الصمت، فأصبحت لا تتكلم وأبى كبر فى السن وأصبح لا حول له ولا قوة. إخوتى أصابتهم الصاعقة، صاروا ينظرون لى وكأنى من كوكب بعيد، الكل يسألنى كيف ذهبتِ معها، أين عقلك، الكل فى العائلة ينظر إلىَّ أنى بغبائى وضعت رأسهم فى التراب ونسوا جميعاً من أنا، وأتموا ذبحى ولم يفكروا فى كإنسانة دُمِّرت حياتها!!

    توصلوا بعد عناء لمن دمروا حياتى، لم يكونوا فقراء يحتاجون إلى المال بل شبابًا خريجى جامعات مرموقة ولهم خبرة وعقول يستطيعون بها أن يفعلوا ما يريدون وبخطة محكمة، منى كانت إحدى ضحاياهم، لكنهم يعلمون أنه لا مال لديها لتدفعه، فاستخدموها فى استدراج الغبيات مثلى، فصادقتنى وعرفت كل شىء عن بيتى وزوجى وظروفى، وفى الوقت المناسب بعد أن اطمأننت إليها نفذت فعلتها وذبحتنى.

    ‎أعلم أنى أخطات حين ذهبت معها، ولكنى لم أكن أعلم أن كل هذا يمكن أن يحدث، وأدفع الثمن من حياتى وبيتى ولكن أين ذهبت الرحمة؟ أخلو إلى نفسى، أتحمل آلامى وحدى، تراودنى كل الذكريات الجميلة لتؤلمنى حيناً وتبكينى حيناً، يراودنى الحنين لحياتى، لأشياء اقتسمناها سوياً، فأشعر بالألم يعتصر قلبى، لا أجد من أبوح له بألمى ومعاناتى، فأستغرق لساعات فى مناجاة ربى، ‎فسلام على من فوض أمره لله وبقى منتظراً فرَجَه دون أن ييأس من رحمته مهما عصفت به رياح الحياة.

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع "فيسبوك" Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب.

    فضفضة فريدة دياب
    للأعلى