فضفضة

المشاعر مش عيب

2017-03-01 09:58:42 |
  • فريدة دياب
  • ‎حين التقيت زوجتى لأول مرة كانت تعمل فى مدرسة محترمة، تتميز بالجمال البرىء المجرد من أى رتوش، فهى لا تستخدم مساحيق التجميل المعتادة، بالإضافة لصفاء مقلتىْ عينيها العسليتين، اللتين تكاد أن تراهما لأنها لم تعتد أن تنظر إلى وجهك مباشرة.

    لم تكن ملتزمة فقط فى نظراتها بل كانت ملتزمة أيضًا فى ملابسها إلى حد المعقول ومُقِلَّة فى كلامها. جمعتنى بها الظروف أكثر من مرة، ووجدتُنى منجذبًا إليها، وعندما سألت عرفت كثيرًا عن حياتها.. فهى من أسرة عاشت كل حياتها فى لندن وتعلمت هناك ولها أخوة ثلاث، وبالرغم من حياتها فى الخارج إلا أنها كانت تذهب إلى المساجد وتربت تربية بها كثير من الالتزام، ولكنهم عادوا ليكملوا حياتهم فى بلدهم الأم.

    ‎إنسانة مثل "منة" لا طريق لها إلا طلب الزواج ولذا تقدمت طالباً يدها وكل ما كنت أعانى منه أنها جادة بدرجة كبيرة ولكنى ظننت أن الأمر سيختلف بيننا بعد الزواج.

    تزوجنا بعد ثمانية أشهر من خطبتنا ورزقنا الله بولدين لا يختلف أحد على جمالهما وكانا بالنسبة لى الدنيا بمن فيها ولكنى كنت أعانى فى حياتى من البرود العاطفى، فهى تفعل كل شىء مطالبة به كزوجة ولكن بلا مشاعر وأنا بطبيعتى أحب الناس وأحب أن أخرج وأستمتع بالحياة.. كان لى مجموعة من الأصدقاء متزوجين وعلاقتنا ممتدة منذ أيام الدراسة وحافظنا على هذه العلاقة التى نعتبرها فريدة، وبالطبع عرفت زوجتى عليهم وأصبحت العلاقة بيننا عائلية. تذهب معى إليهم ولكنها تظل صامتةً، وإن تحدثت تتحدث قليلاً وكأنها تقوم بواجب أو فرض وكان هذا كثيرا ما يُشعرنى بالحرج.

    ‎كل زوجة تريد أن تلازم زوجها فى كل شىء، وأنا كنت راغبًا فى ذلك ولكنها بطريقة أو أخرى كانت تحاول الانسحاب بهدوء، فيوم أن أنشأوا جروبًا مشتركًا لنا جميعًا على الواتس آب لم تتحمل أكثر من شهر وخرجت منه وعندما سألتها قالت إنها لا تحتمل كثرة الكلام!! ولما لا تتحمله وزوجها به، قد أحرجنى موقفها ولكن الأكثر من ذلك أننى شعرت أنها لا تهتم بوجودها معى أو أن تشاركنى اهتماماتى حتى ولو كانت ليست بذات الأهمية بالنسبة لها، فليس من المهم أن ترضيك ولكن المهم أن ترضيك بحب وليس لمجرد أداء واجب.. فكانت حياتى معها كلها أداء واجب!!

    ‎سارت حياتى بهذا الأسلوب إلى أن قابلت "هدى"، وهى زميلتى فى العمل وأصبح بينى وبينها حديث يومى ومع مرور الوقت أدمنته.. فهى مختلفة عن "مِنة" فى أشياء كثيرة وأولها أنها لها قلب ينبض بالحياة، لا تخجل من البوح بمشاعرها.. شعرت معها بنوع آخر من المشاعر والارتباط ووجدتنى لا أستطيع الابتعاد عنها.

    ‎ولكونى بطبيعتى لا أحب اللهو طلبت منها الزواج ولكن دون معرفة زوجتى، وكان هذا شرطًا غير قابل للنقاش، وبعد ضغط هائل على والدتها قبلت واشتريت لها شقة فى نفس المنطقة حتى تكون قريبة منى وتم الزواج.

    ‎لم تشعر "منة" بأى تغيير من ناحيتى بعد زواجى فكنت أحاول بقدر استطاعتى ألا أُشعرها بأى تغيير، أما من ناحية "هدى" فكانت تعى جيدًا أنى لا أريد أن أفقد أم أولادى ولا أريد أن أجرحها بأى طريقة فالتزمت الصمت، ولكنها منذ الْيَوْمِ الأول لنا معا كانت ترغب فى إنجاب طفل وهذا حقها ومن الظلم أن أحرمها منه، فبعد مرور عام واحد من زواجنا أبلغتنى أنها حامل ووقتها شعرت بالخوف لأول مرة، وذلك لأنى لن أستطيع أن أستمر فى إخفاء زواجنا عن "منة"، ونصحنى أصدقائى بهذا ولكنى ترددت.

    ‎أنجبت "هدى" لى ابنة، وكنت إذا نظرت إليها أتذكر أخويها واليوم الذى سيعرفان فيه أن لهم أختًا فى الحياة وكيف سيتقبلون هذا؟ أصبح القلق مرادفًا لحياتى، وأصبحت دائم التفكير مهمومًا بتلك الهواجس طوال الوقت، وكل مرة أقرر أن أُخبر "منة" بأنى تزوجت وأنجبت لا أستطيع، فماذا لو طلبت منى الطلاق؟

    ‎إننى لا أرغب أن ينشأ أولادى بعيدًا عنى.. وهذا ما جعلنى أتراجع دائماً ولا أتكلم، واستمر صمتى لثلاث سنوات إلى أن جاء موعد التقديم لابنتى فى المدرسة، وأصبح سكوتى جريمة فى حقها.

    ‎جلست أمام "منة" وكأنى طفل لا يجيد فن الحديث، وفى عينى دموع وصوتى يرتجف وجسدى أصابته حمى وصعوبة فى التنفس، وبدأت بأنى أخطأت لأنى لم أخبرها ولكنى خشيت من أن تطلب الطلاق ولكنى فوجئت بإجابتها ورد فعلها.. فهى لم تهتز، ولم تكن تعلم، ولكنها أخذت تلومنى عن فعلى مع ابنتى وأنه لا بد أن تعرف أخويها وألّا أحمل هم مدرستها فهى ستقدم لها مع أخويها وتحاول أن تستفيد لها بالخصم لأنها تعمل فى نفس المدرسة!!

    ‎من المفترض أن أكون أسعد الناس فقد نجوت من طلبها الطلاق، ونجوت من رفضها لأمر زواجى الثانى، ومرت اللحظة التى ظللت لأربعة سنوات حريصًا كل الحرص على ألا أواجهها، ولكنى قلت لنفسى ربما الصدمة جعلتها تتصرف بهذا المنطق، ولا بد أن أنتظر رد فعل منها قريبًا.

    ‎جلست أراقب لمدة شهر كامل ولم ألمح دمعة خارت من عينيها فى لحظة ضعف، ولكنها أقوى من أن تبوح بها. كل شىء يسير كما يقول الكتاب وكأننا آلات تسير على الأرض ليس لنا أية ردود أفعال على الإطلاق، لكنى كنت أشعر بخوف تجاهها حتى أنى قاطعت الطعام فى المنزل خوفًا من أن تضع لى سمًا فى الطعام، أو آكل بعد أن تأكل هى ليطمئن قلبى!!

    ‎بدأت أفكر هل أحبتنى "منة" أم تزوجتنى لمجرد أنها أنثى وأنها كانت ستتزوج ذات يوم من الأيام، فمهما كانت المرأة قوية من الصعب أن تتحمل فكرة أن يتزوج زوجها بامرأةٍ أخرى..
    ‎ربما لـ"منة" عقل رزين ولكن مهما تمتعت بالعقل فهى إنسانة يمكن أن تغضب أو تثور فى وجهى وتُكمل حياتها معى من أجل أبنائها أو من أجل مظهر اجتماعى أو لأى سبب. كان برود عواطف "منة" ورد فعلها الهادئ تجاه زواجى مثيرًا للشك، وبدأت تساورنى الظنون أنها تحب إنسانًا غيرى ولا أنكر أننى راقبتها وبحثت وراءها فلم أجد ما يُشينها أو يعيبها.

    ‎كم تمنيت أن تثور وتغضب ولو لمرة، أن تقذفنى بأى شىء فى يدها.. كم تمنيت أن أنحنى أمامها وأُقبِّل يدها ورأسها وأرجوها أن تسامحنى وأن من حقها أن تعلم قبل زواجى من أخرى وتوافق أن تستمر أو لا.. كم تمنيت أن أرى أصدقائى حولها يتوسلون إليها لكى تسامحنى وأن تغفر لى.. تمنيت كثيراً ولكن إجابتها كانت صريحة.. هذا حقك!!

    ‎ربما يكون حقى كما قالت أن أتزوج ولكن أى أسلوب تفكر به؟ فهل الالتزام معناه غياب القلب والمشاعر؟ هل الالتزام يمنعها من مجرد الشعور بالغيرة على زوجها؟ فى عقيدتى الدموع تعكس رقة القلب، والحب بلا غيرة ليس حبًا، والعتاب يزيد المحبة.. والخلاف الزوجى بمقدار ضرورة لأنه يجعل للحياة ملامح نسير على هداها. هل الالتزام معناه أن أسير على الأرض كآلة صماء؟

    ‎أنا رجل ولى أخطائى التى لم أنكرها ولكنى إنسان أشعر وأبكى، أغضب وأثور.. أكسر القواعد ولكنى لدىَّ حياة أحب أن أعيشها ولا أستطيع أن أحتمل جفاف المشاعر والقلوب، ولذلك لن أستطيع أن أُكمل حياتى مع "ربوت..".

    لذا قررت الانسحاب فى صمت.

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع "فيسبوك" Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب.

    فضفضة فريدة دياب
    للأعلى