فضفضة

فتاة السامبا

2017-02-08 10:00:24 |
  • فريدة دياب
  • أن تذبل روحك يعنى أن تشيخ قبل الأوان، أن تكبر فى اليوم ما يضاهى عاماً.. أن تذبل روحك يعنى أن تعيش مرحلة لا تتناسب مع عمرك.

    يتمكن منك الحزن ويستوطنك ويبنى بأعماقك كهوفاً وسراديب ويمر بك الزمن فلا تقدر على أن تتخلص منه.. فقد صار الانكسار جزءاً من كيانك. كل المشاكل التى نواجهها فى الحياة هيِّنة وسهلة ولكن يبقى لذبول الأرواح ألم لا يضاهيه ألم.

    ‎عندما تمت خطبتى على حبيبى الذى جمعتنى به قصة حب طويلة ونحن ندرس فى الجامعة واستمرت بعد تخرجنا لسنوات ونحن نعمل ونكافح معاً تغيرت ألوان الحياة فى عينىَّ وصار كل شىء وردى اللون حتى الأمور التى كانت تزعجنى أصبحت سهلة ويسيرة.. أصبحت أشعر أنى أحب الحياة بكل ما فيها، أحرك يدى يميناً ويساراً ليرى الجميع دبلة الخطوبة فى يدى..

    لا زلت أتذكر كيف كانت فرحة أسرتى يوم الخطوبة فأنا الابنة الكبرى ولى أخَّان "عمر" و"خالد"، وبالنسبة لهم كنت أنا العروسة الجميلة التى ينتظرون أن يروها دائماً فى أحسن حال. كانوا جميعاً يتسابقون لإرضائى، فعندما ذهبت يومها إلى الكوافير صمم "خالد" أخى الأصغر ألّا أقود سيارتى وذهب معى ليوصلنى ومكث "عمر" فى المنزل ليساعد أمى فى تجهيزات الخطوبة، وعاد "خالد" ليأخذنى بعد أن انتهيت من الكوافير ونحن فى طريق العودة ملأ الدنيا من حولى بهجة بالأغانى وكلكسات السيارة وأنا أصيح فيه "سوق على مهلك عايزين نوصل البيت".

    ‎مرت الخطوبة وكأنها ليلة من ألف ليلة فعندما تضع المرأة فى إصبعها دبلة رجل تحبه تشعر وكأنها ملكت الدنيا وما عليها. بدأت أنا و"ياسر" فى تجهيز الحنَّة التى ستجمعنا وكان كل شىء يسير فى طريقه الطبيعى. لم تمض إلا ستة أشهر من خطوبتنا حتى بدأ غياب "ياسر" يتكرر ولأسباب لم تكن مقنعة، فمرة أحاول الاتصال به يوماً كاملًا فأجد تليفونه غير متاح وحينما أسأله يقول "الشحن خلص ومكنش معايا شاحن"، وأستحلفه ألّا يكررها ولكنها تتكرر أكثر من مرة لدرجة أننى اشتريت له بطارية شحن تساعده لو كان فى أى مكان لا يستطيع شحنه.

    كذلك تكرر اختفاؤه ولكن هذه المرة بحجج واهية أخرى، فمرة بحجة أنه التقى بأصدقائه القدامى فى المدرسة صدفة، ومرة بحجة أنه لم يسمع الموبايل ومرات لظروف عمل!

    ‎وتكررت حججه ورواياته إلى أن تملك منى الشك، ولكن لم يكن لدىَّ دليل قاطع، خصوصًا أن علاقتنا كانت ما يرام وتسير فى طريقها الطبيعى وعندما صارحت أمى بشكوكى قالت لى "بلاش تحسسيه بالخنقة أومال لما تتجوزوا هتعملى إيه؟".. لم يقنعنى كلام أمى وقادنى تفكيرى إلى عمل حساب شخصى على "فيسبوك" باسم مستعار ووضعت عليه صورة لفتاة برازيلية ولكن ملامحها قريبة جداً من الملامح الشرقية وجعلت منه حساباً حياً فيه أشخاص كثيرون بعيدون عنه وعنى لا أعرف عنهم شيئاً، وكنت بارعة فى الفوتوشوب فاستطعت أن أضم صورتها لأماكن كثيرة فى القاهرة وبعد شهر من كتابة بوستات مستعارة فى هذا الأكاونت أرسلت له طلب إضافة وقبله بعد إرسالى الطلب بخمس دقائق فقط!

    ‎تحليت بالصبر فكنت أكتب البوست وهو دائم المتابعة والتعليق، أضع صورة ويكون أول المعلقين "قمر والله قمر".. ولم لا وهو أكاونت لا يحمل شخصًا واحدًا يجمع بينى وبينه ولا أحد يعرفه هو نفسه. بدأت أنا أو المجهولة أكلمه على الخاص وبالتدريج أصبح الحديث بينه وبين المجهولة يومياً، كنت أرى بعينى ماذا يقول لها وكيف يتغزل فى جمالها وقوامها وعينيها التى لم يرَ مثلهما فى الدنيا مع أنها مجرد صورة، وبمجرد أن ينتهى معها يقوم بالاتصال بى وكأنه منشغل بأمور أخرى ويشكو لى من إرهاقه فى العمل وأنه ليس لديه وقت لأى شىء فى الحياة!

    ‎ما هذه القدرة التى يمتلكها على الكذب والخداع؟

    ‎من هذا الرجل؟

    ‎تمادت علاقة خطيبى مع تلك الشخصية المجهولة فأصبح الحديث بينهما أكثر عمقاً وحباً وأصبح الحديث يحمل فى طياته جرأة لم أعهدها فيه وكأنه إنسان آخر، وكان يغازل جمالها بطريقة لم أعهدها منه بالرغم من أنى أتمتع بقسط وافر من الجمال أيضاً، عندما سألته هل هو مرتبط كانت إجابته سريعة بأنه خاطب ولكنه على استعداد لفك خطوبته من أجلها.

    ‎لقد جمعنى بـ"ياسر" حب سنوات، وكنت أفهمه دون حتى أن يتكلم وعندما كان يتكلم وفى أجمل لحظات حبنا لم أسمع منه ما كان يكتبه لتلك المرأة المجهولة التى لم يعرف عنها إلا صورة وكلمات تُكتب على الخاص ولكنها تحمل معانى لا أجرؤ أنا عليها وربما ادَّخرتها له حين يُغلق علينا باب واحد ويكون زوجى به أمام الله والجميع.

    ‎كانت تلك المجهولة بارعة فى وصف نفسها وأن صورها أقل جمالاً منها وكانت تتفنن فى الرد عليه وتشويقه للقاء وعرض ياسر وتعجل لقاءها وكانت هى أيضاً تتعلل بأنها لا تعرفه جيداً حتى تلقاه واستمر الحال هكذا إلى أن جاء اليوم الذى نفد فيه صبرى، وأصبحت غير قادرة على تحمل هذا الوضع الغريب فقررت أنا "المجهولة" أن أحدد موعد ومكان اللقاء، كانت سعادته كبيرة وتم الاتفاق على كل شىء، وأضافت المجهولة أنها ستصطحب صديقة لها أول مرة لأنها تخشى الجلوس بمفردها مع شخص لم تجلس معه من قبل، وأضاف ياسر أنه سيُحضِر معه صديقه المفضل.

    فى هذا اليوم اتصلت بـ"ياسر" وطلبت أن أقابله فى نفس موعد مقابلته مع المجهولة ولكنه تحجج بمواعيد عمل لديه بمنتهى الثقة! أغلقت معه واتجهت صوب دولابى أخرجت منه علبة الشبكة التى أحتفظ بها وأخذت أبكى ووضعت بجوارها دبلة خطوبتى التى أصبح إصبعى لا يحتملها أكثر من ذلك.

    ‎ذهبت إلى المكان المتفق عليه بعد الموعد بنصف ساعة ورأيت ياسر يجلس ومعه صديق له لم أر إلا ظهره، وانطلقت نحوهما واهتزت الأرض من تحت قدمى وأنا أرى صديقه الذى معه من يكون.. إنه أخى ابن أمى وأبى "خالد"!! خالد أخى هو وخطيبى حبيبى يتباريان فى مشاغلة البنات واستدراجهن، يعبثون بالمشاعر ويقضون أوقاتاً فى متعة غير مشروعة.

    ‎فى تلك اللحظة لم أوجه كلمة إلى ياسر فالذى يربطنى به دبلة مجرد دبلة أعدتها إليه بمنتهى السهولة واليسر ولكن ما بينى وبين أخى دم يربطنا، بينى وبينه ذكريات وأيام وليال طويلة فكان هو أخى الأصغر الذى شاركت أمى فى تربيته.. فكم سهرت به مع أمى فى مرضه وكم ذاكرت له دروسه فهو يصغرنى بتسعة أعوام. كيف استطاع أن يُغمض عينه على ما يراه من رجل كان سيصبح فى يوم من الأيام زوجى ويساعده ويذهب معه ويعرف الكثير عنه ولا يتكلم وسعيد بما يفعل!!

    ‎هل تغير الهواء الذى نتنفسه أم نوعية الطعام الذى نأكله؟

    ‎هل تغير لون السائل الأحمر الذى يجرى فى عروقنا فذهبت النخوة وهربت منا؟

    ‎عندما علمت أمى بما حدث طردت أخى من المنزل وذهب لبيت خالتى التى تقبلت وجوده مرغمة فهى لا تريد أن تنظر فى وجهه، وكانت ثورة أمى عارمة فقد نسينا موضوع خطوبتى وفكه بالمرة كأنه لم يكن فمثل ياسر لا يُأسف عليه وأصبح شغلنا الشاغل هو خالد، وكيف أصبح هذا الشخص الذى لا نعرفه، كيف هنت عليه وكيف قبل أن يفعل بى ذلك؟!

    ‎أما أنا فكنت فى حالة من الذهول، يغلبنى الصمت، فأحياناً ما يكون احتياجنا للوحدة ضرورة لا بد منها.. نحتاج أن نكون بعيدين عن كل شىء عدا أنفسنا، عن أحاديث وتساؤلات الناس وأصواتهم المتعالية، نحتاج إلى لحظات من الصمت تبدد صخب الحياة وقسوتها.

    ‎نحتاج للحظات هدوء وصفاء مع أنفسنا نقترب منها نلامس ذلك الجرح الغائر فيها لنداويه.. نحتاج لأن نتحدث إلينا.. لأن نصغى لأنفسنا المتعبة الضائعة فى الحياة ونلملم شتاتنا لنصبح قادرين على العودة.

    ‎سيأتى اليوم الذى أجد فيه الرجل الذى ‎أثق فيه ويكون أبا لأولادى، سيعود خالد وسيظل أخى وسأحاول أن أعيده لنفسه لأنى أريده فهو دمى وجزء منى.. ولكن فى ذاك الركن البعيد هناك يبقى شىء من الحزن، فمهما حاولنا أن ننسى أو تناسينا جرح مشاعرنا تبقى آثاره بأعماقنا.. قد يبدو علينا الصمت ولكن لا يسمع الناس أنين أنفسنا وبكاء قلوبنا..

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع "فيسبوك" Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب.

    فضفضة فريدة دياب
    للأعلى