فضفضة

خطيب أختى

2017-01-04 09:57:05 |
  • فريدة دياب
  • مثل كل الأمهات فى الوجود أتمنى كل الخير لأبنائى، أفرح لفرحهم، وأسعد لسعادتهم، وأشقى لشقائهم.

    ‎أنا أم لبنتين وولد، عشت من أجلهما وأفنيت حياتى، توفى زوجى وابنتى الكبيرة فى أول سنة دراسية لها فى الجامعة، وابنتى الوسطى كانت فى أول تعليمها الثانوى، وابنى كان فى التعليم الإعدادى. تركنا والدُهم ميسورى الحال، وكان رحمه الله رجلاً محترماً وطيباً محباً لأسرته، وقد ربينا أولادنا معاً على الحب والاحترام.

    على الرغم من حزنى الشديد لفقدان شريك العمر إلا أنى عزمت على أن أُكمل رسالتى لكى أصل بأولادى إلى بر الأمان، وكنت أعمل لتحقيق دخل إضافى يرفع من مستوى معيشتنا، وفى نفس الوقت لأثبت ذاتى، فكان العمل بالنسبة لى حياة ولكن لم يكن ذلك يوماً على حساب أولادى، أو انتقاصاً من قدر رعايتى لهم.. فأنا أعلم قسوة فقدان الأب على نفوسهم، وكنت أحاول جاهدة أن أعوضهم من وقتى وصحتى عن فقدانه قدر ما استطعت حتى ولو كان الأمر فوق احتمالى فى بعض الأحيان، إلا أننى كنت أقوم بهذا الدور عن قناعة وبنفس راضية.. وكنت أسعد وأنا أرى مردود جهدى فى تفوقهم فى دراستهم وفى خلقهم وسلوكهم القويم.

    ولا يعنى ذلك أن حياتنا كانت خالية من المشكلات ولكنها كانت تمر مثل كل شىء فى الحياة. ابنتى الكبيرة "عبير" كانت الأكثر اهتماماً بدراستها وكانت تتمتع بشخصية قوية واثقة من قدراتها، أما "هدى" فكانت محبة للحياة والانطلاق والمرح، وتنجح فى دراستها ربما فقط خوفاً من غضبى، أما ابنى "محمد" فقد كانت كرة القدم هى حياته، يعيش فى عالمها ويحلم بأن يصبح لاعباً مشهوراً، ولذا كنت أحياناً أساومه ليفاضل بين نجاحه فى دراسته واستمراره فى لعب كرة القدم!

    ‎تخرجت عبير من كليتها واستمرت فى دراسة الماجستير فهى تعشق العلم، وكانت هدى لا تزال بالجامعة، وظلت الحياة تسير بِنَا فى هدوء، إلا أننى كنت أحياناً ما أتعجب لحال "عبير" فى كل مرة تحكى فيها عن أصدقاء لها وأظن أنها قد أحبت أو على وشك الارتباط بأحدهم وبعد فترة أسمع أنه تمت خطبته أو أنه ارتبط بإحدى زميلاتها وأنهما ينويان الزواج بعد فترة. أيضاً فقد كانت دائمة الرفض للزواج التقليدى، وترفض كل من يتقدم لها عن طريق الأسرة.

    ‎ولأنى أم تؤمن بحرية البنت فى اختيار شريك حياتها، وترفض إملاء شروط على الأبناء فى حياتهم عاهدت نفسى ألا أجبر أياً من بناتى على الزواج إلا ممن تختاره هى ولكن بعد أن يطمئن قلبى أنه مناسب لها، فمن حقى كأم أن أقول "لا" للاختيارات الخاطئة، ولكن ليس من حقى أن أجبرها على أى شخص حتى لو كنت أراه أنا مناسباً. ‎مرت "هدى" بتجربة عاطفية، فقد أحبت زميلاً لها فى الجامعة وكان فى آخر عام دراسى له ولكن انتهت العلاقة بينهما بالفشل فكنت بجانبها وقتها كأم وصديقة. وظللت إلى جوارها حتى التأم جرح قلبها، وتخرجت "هدى" بعدها من الجامعة والتحقت بعمل وتعرفت بزميل لها ونشأ بينهما إعجاب، تحول فيما بعد إلى حب ولم يمض إلا عام واحد وكان قد تقدم للزواج منها، أذكر فرحتها يومها وكيف عادت إلى المنزل وهى تكاد تطير فرحاً وهى تزف لى الخبر، وكنت فرحة لفرحها، مع أنها لم تكن مفاجأة لى فقد كنت معها خطوة بخطوة ولم تخفى عنى شيئاً، ولكن سرعان ما بدأت أفكر وقتها فى وضع أختها "عبير" التى تكبرها بخمس سنوات والتى بلغت التاسعة والعشرين ولم تتزوج بعد.

    شعرت وقتها بأن الأسرة مقبلة على ظرف يشوبه الحرج، فالعرف الاجتماعى أن تتزوج الأخت الكبيرة أولاً وأنه إذا ما تزوجت الصغيرة قبلها فكأن ذلك بمثابة إعلان أن الأخت الأكبر قد فاتها قطار الزواج.. تلك هى المعتقدات السائدة فى مجتمعنا ومهما تغير الزمن يظل هذا الفكر مسيطراً على كثير من العقول.. لكن شرع الله والمنطق والعقل يمنعنى من أن أهدم سعادة ابنتى، خصوصاً أن عبير هى من كانت ترفض الزواج ولم تأتى لى يوماً بشخص أحبته وقمت أنا برفضه أو تعطيل زواجها منه. ‎كانت عبير على علم بأن أختها تربطها علاقة حب بزميلها فى العمل ولكن لم يكن بينهما حوار حول ذلك الأمر، ربما لانشغالها الدائم بدراسة الماجستير. ‎وذات يوم عادت "هدى" من عملها وأخبرت أختها أن عائلة حبيبها تنوى زيارتنا لخطبتها، وكنت أراقب ما يحدث لأرى رد فعل "عبير" وهل ستغضب لذلك فإذا بها تبدو فرحة لفرح أختها وسألتْها عن يوم حضورهم، ودخلت الغرفة معها لتختار لها الفستان الذى سترتديه وتسريحة الشعر المناسبة، وسمعت ضحكاتهما وبدا لى أن الأمر قد مر بسلام، فاطمأن قلبى إلى حد كبير، ولكن لا أنكر أننى كنت أتمنى لو تزوجت عبير أولاً.

    مر كل شىء بسلام وحددنا موعداً للخطوبة والمفترض أن يكون أسعد أيام حياتى، خصوصاً أنها أول فرحة زواج لأولادى وجاءت أختى وأولادها من الإسكندرية لحضور الخطبة ولديها أيضاً بنتان منذ دخولهما المنزل بدا عليهما وكأنهما جاءتا لتقدما واجب العزاء لعبير، لأن أختها التى تصغرها ستتم خطبتها قبلها! ‎تعجبت من أسلوبهما وانفردت بأختى جانباً لأنبهها لردود أفعال بنتيها وشرحت لها أن كل شىء نصيب..

    ‎فقالت: "أنا مش عارفة انتى عملتى كدا ازاى؟! انتى كدا ضيعتى فرصة عبير فى الجواز، وكان لازم تنتظرى على هدى شوية!".

    ‎ورددت عليها بانفعال: "إيه الكلام الفاضى دا؟! كل واحدة بييجى لها نصيبها فى وقته وكلامك دا يوقع الأختين فى بعض".

    ‎المفاجأة أننى اكتشفت، أثناء حفلة الخطوبة، أن من يفكر بهذه الطريقة ليس أختى فقط، بل كثير من جيراننا تكلموا معى بنفس الطريقة التى كلمتنى بها! ولم يقتصر الأمر علىَّ أنا، بل لم يخجلوا وهم يرمون كلاماً لعبير يوحى بألا تحزن "إن شاء الله ربنا يبعت لك ابن الحلال متزعليش"! ‎اعتدت كأم أن أقرأ وجوه أولادى وملامحهم وأتبين ما يدور بخاطرهم دون أن يبوحوا بما فى داخلهم، ولاحظت تعبير وجه ابنتى، وأدركت أن مشاعرها قد جُرحت فى ذلك اليوم. ‎ومر يوم الخطوبة وانصرف الجميع سعداء، إلا أنه لم يمر مرور الكرام على أسرتى، فقد كانت له تبعات كثيرة ظهرت بعد ذلك فى تعامل الأختين معاً وفى تعامل عبير مع خطيب أختها.. فقد أصبحت تكره يوم زيارته لنا فإن جاء لزيارتنا خلال الأسبوع تتعمد أن تأتى متأخرة وتدخل مباشرة إلى حجرتها دون أن ترحب به وإذا عزمتُه لقضاء يوم عطلة معنا تختلق الشجار معى متعللة أنه يوم إجازتها وهى تريد أن تكون على راحتها فى المنزل! أصبحت لا تتحدث مع أختها كثيراً وإذا تحدثت معها لا بد وأن ينتهى الحوار بشجار، خصوصاً أن هدى كانت تشعر بالحرج من أسلوب تعامل عبير مع خطيبها حتى أنه سألنى ذات مرة إن كان قد أخطأ فى حقها فى شىء، وإن كان ذلك قد حدث فهو على استعداد للاعتذار لها. ‎أصعب المواقف تلك التى تجد فيها الأم شقاقاً بين أبنائها، فى هذه اللحظة تشعر أن كل حياتها ذهبت هباء، فنحن ننجبهم ليكونوا سنداً لنا ويكونوا سنداً لبعضهم البعض بعد رحلينا، كنت كثيراً ما أفكر أنه اذا ما وصل الأمر لذلك بينهما وأنا على قيد الحياة فما الذى يمكن أن يحدث بعد رحيلى؟ ‎

    هل ستنسيان أنهما أختان؟ ‎حاولت التقرب من عبير والتحدث إليها إلا أنها ظلت مُصرَّة على أنها لم تخطئ فى شىء وأن تصرفاتها عادية جداً، ولا أعلم من أين جاءها كل هذا الكِبر.. أما هدى فقد انشغلت بتأسيس بيتها وابتعدت عن أختها فأصبح الكلام بينهما قليلاً.. وظللت أنا حائرة بينهما، وأموت حزناً لما آل إليه حالنا. ‎وجاء فرج السماء بعد أن قاربت عبير على الثلاثين من عمرها وتقدم لخطبتها زميل لها ووافقت عليه ووافقنا جميعاً وكانت ظروف عمله فى الخارج. وفرحت هدى لأختها ولكنها لم تنس مواقف أختها تجاهها فتحدث معها وشرحت لها مشاعر أختها وطلبت منها أن تلتمس لها العذر. وتزوجت هدى وتزوجت عبير بعدها بأشهر قليلة وسافرت مع زوجها، وذهبنا جميعاً لتوديعها فى المطار، كانت هدى أكثرنا تأثراً لسفر أختها لدرجة أنى بكيت عندما رأيتها تعانق أختها وهى تبكى فللمرة الأولى يبتعد أحد أفراد الأسرة عنا منذ أن توفى والدهم، أما دموع عبير فقد كانت تعبيراً واضحاً عن ندمها على مواقفها تجاه أختها، ولكن فى النهاية هى بشر والغيرة صفة من صفات البشر، قد يختلف قدرها من شخص لآخر.. ‎ وحكاية بناتى ليست القصة الوحيدة، فهناك قصص متشابهات من حولنا، نعم يغار الأخ من أخيه، وتغار الأخت من أختها.. ولكن يمكن أن تظل هذه المشاعر كامنة فى أعماقهم، أو صامتة إلى أن يتدخل الآخرون فيوقظوها أو يرتفعون بها ويظهرونها على السطح.. ‎ولا يدرى الناس قدر الجروح التى يمكن أن يتسببوا فيها للآخرين إذا ما تدخلوا دون أن يدروا فى شؤون غيرهم دونما استئذان. ويبقى السؤال: من منا يملك الحق أن يقيم حياة غيره أو ظروفه، من منا أدرى بحال غيره، من منا يملك الحكم على مشاعر الآخرين أو الشعور بما يشعرون.. لكل منا همومه، وكل بيت تغلق أبوابه على مشكلاته، ولكل إنسان لحظات لسعادته ولحظات لمعاناته.. فلماذا لا ننشغل بأنفسنا وندرك أننا إذا ما انشغلنا بهموم أو أحوال الآخرين قد نزيد من جرحهم، بل قد نخلق جروحاً أو نكشف عورات كان الله قد سترها.. لكل امرئ قدره، فلماذا لا ننشغل فقط بأقدارنا؟

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" "Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب".

    فضفضة فريدة دياب
    للأعلى