وجهة نظر

عن الدولة التى ودعت «رأفت الهجان»

2016-11-14 13:37:45 |
  • أحمد الطاهرى
  • فى فبراير 2008، كان المشهد لافتا داخل مستشفى وادى النيل.. الأستاذ مجدى مهنا أجرأ وأصدق وأشجع معارضى الرئيس مبارك يرقد فى المستشفى، ويمضى أيامه الأخيرة، بينما يتوافد عليه يوميًا كبار رجال الدولة، خصوصا رئيس مجلس الشورى وقتها، صفوت الشريف.

    الدولة تتودد لتحمّل تكلفة العلاج، ومجدى مهنا يأبى بعزة نفس متناهية، كانت جزءا أصيلا من تكوينه، لم يكن مُدعيًا.. ورحل فارس الكلمة، وكانت آخر مقالاته يبشّر الرئيس الأسبق بأن نظامه مُنتهٍ، وأنه لا توريث للحكم، ويرجوه أن يجنّب مصر فوضى كان يراها وشيكة، وإذ بجثمانه يُزين بعلم مصر وتحضر الدولة كلها الجنازة والعزاء!

    كان لغز ومشهد أثار حفيظة المقربين من إدارة الرئيس الأسبق آنذاك، إذ كيف تحتفى الدولة بقلم كان كل همه الاشتباك، لكنهم لم يدركوا حينها أن الدولة أكبر من النظام، وأنها تُجيد الفرز، وأن الجميع وطنيون، لكن قد يستحق الإصلاحى التكريم عن المنتفع حتى لو تغنّى بالحكم ليل نهار.

    ثم جاء أكتوبر 2015 لتمنح الدولة تكريما من نوع خاص لمبدع عظيم، هو الأستاذ والأديب الكبير جمال الغيطانى، الذى أبت القوات المسلحة ألا تنعيه، ولم تكتف بعزاء رسمى عام، بل قدمت فيه مرثية تعتبر تاريخية وغير مسبوقة، ولم يكن الغيطانى يومًا تابعًا لأى إدارة سياسية، صحيح أنه تولى رئاسة التحرير فى عهد الرئيس مبارك، لكنه لم يكن من المقربين لدائرة الحكم، وإنما كان يتنفس مصر بكل تفاصيلها، وتجدها حاضرة فى إبداعه الصحفى والأدبى.

    واعتبرت القوات المسلحة الغيطانى واحدًا من أبنائها، وهو بالفعل كان كذلك لأنه أسس لمفهوم جديد فى فن الصحافة الحربية والإعلام العسكرى غير النمطى، واتسم بوطنية مُفرطة، وكان، رحمة الله عليه، أول من فتح باب الاشتباك مع الإخوان فور وصولهم إلى الحكم، وكتب مقاله الشهير "وداعًا مصر التى نعرفها".

    واليوم ونحن نودّع قيمة فنية استثنائية بحجم محمود عبدالعزيز، جاءت إطلالة الدولة من جديد لفنان لم يعرف عنه أنه من مُفضلى التقرُب لأى سلطة.. وكانت الإطلالة من جهاز المخابرات العامة الذى نادرًا ما يُقدم على العلانية، ولكنه أمام محمود عبدالعزيز أو "رأفت الهجان" كانت علانية النعى حاضرة وواجبة لفنان أسهم بعمله فى غرز قيم الانتماء لدى الأجيال الأولى التى جاء تكوين وعيها بعد انتهاء الحرب المصرية الإسرائيلية، وإقرار السلام باتفاقية عام 1979، فأعاد محمود عبدالعزيز عبر "رأفت الهجان" تلك الأسطورة الدرامية التى قدّمها بقلم صالح مرسى وإبداع يحيى العلمى، وموسيقى عمار الشريعى، فكان التذكير بأدبيات الصراع "المصرى - الإسرائيلى" ودور رجال الظل، ومعنى التضحية لرفعة الوطن، وأن الرهان على مصر دائمًا رابح، والرهان على غيرها دائمًا خاسر، تلك القيم والقيمة زرعت ورسخت فى عقول أجيال خرج من بينهم بعد ذلك رجال دولة وأبناء للدولة فى كل موقع.. هذه هى مصر.. وهذه هى الدولة المصرية التى لا تنسى أولادها ولا تنسى كل من قدم كلمة أو فكرة أو عملًا هدفه مصر.. علاقة متشابكة بين المؤسسية والإبداع كلاهما متداخل لأن هذه هى شخصية مصر.

    رحم الله عظماء الوطن.. وحفظ الله هذا البلد العظيم المُبدع.

    أحمد الطاهرى محمود عبد العزيز رأفت الهجان مجدى مهنا المخابرات العامة
    إقرأ أيضاً
    الحنين إلى الفوضى! 2018-09-03 14:40:03 الإجابة.. حسام حسن 2018-06-20 11:20:20 عفوًا.. إنها ليست معركة السيسى وحده 2018-06-18 11:56:53 استهداف زين القناوى فى شخص محمد رمضان 2018-06-05 22:50:09 نموذج الاتحاد الإفريقى وفلسفة الحكم فى مصر 2018-05-14 15:49:38 اقتنصوا الفرحة.. التشنج بضاعة رخيصة! 2018-04-05 13:41:45 الطائر الأحمر.. عودة السلاح الأمريكى التقليدى! 2018-03-07 11:40:00 المستشار جنينة.. محاولة الاغتيال لا تُحدث كدمات! 2018-01-27 19:20:31 لماذا ابتسم الوزير سامح شكرى؟ 2018-01-07 18:42:53 حرائق الكلام على مقاهى وسط البلد 2018-01-01 14:13:11 ما حققته dmc.. شاهد من أهلها 2017-11-23 14:42:07 تعددت الوجوه وجنبلاط واحد!! 2017-11-12 17:35:00 الرئيس الملاكى والحكم التفصيل! 2017-10-25 17:42:03 خسارة المعركة لا تعنى خسارة الحرب! 2017-08-20 11:54:20 بلد على الرصيف! 2017-08-02 13:10:38 المؤامرة لم تكن صدفة! 2017-07-31 14:10:26 كل مظلمة لها عذرها.. مرضى يا حاج حمام؟ 2017-05-14 18:32:53 مؤتمر الشباب وفلسفة الحكم 2017-04-26 13:55:45 درس عبد الله كمال فى 48 ساعة سياسة! 2017-02-22 16:05:50 هل تغير الشارع؟.. هل تغيرت الدولة؟ 2017-02-10 11:42:52 ألو يا إبراهيم.. السافل يتحدث!! 2017-01-08 11:27:34 عمرو مصطفى 2016-12-18 13:45:57 البطرسية.. كلمتان بعد العزاء 2016-12-13 13:14:09 ولماذا لا نتحاور نحن مع الأسد؟ 2016-11-23 18:16:10
    للأعلى