فضفضة

اجرى يا خالد!

2016-09-21 09:35:41 |
  • فريدة دياب
  • مثل كل الشباب فى سنه، يسبقه طموحه الكبير، يغلب عليه الشغف لاكتشاف المجهول، ويعتقد أنه غالبًا ما سيكون أفضل بكثير من الواقع الذى يعيشه.

    يعيش خالد فى عالمه الخاص، يشاهد الأفلام الأجنبية، فيتخيّل أنه جزء من العالم الذى يراه على الشاشة، وكأنه خُلق لينتمى لهذا العالم.. ينظر حوله، فيكره الشوارع بازدحامها والسيارات غالية الثمن التى لا يستطيع شراءها، تصطدم أحلامه بالواقع، وينظر إلى والده كنموذج لرجل أفنى عمره كدا وتعبا ولَم يحقق إلا القليل.. ويشعر بالأسى لحاله، يتحمل ما يصعب على شاب فى التاسعة عشرة من عمره أن يتحمله.

    وذات يوم، وهو فِى طريقه لزيارة صديق، ذاهبًا بخياله إلى مكان آخر، كان يفكر كيف يستطيع أن يهرب من حياته التى يرى أنه يستحق أفضل منها، رغم أنه فى العام الثانى من دراسته الجامعية، ولم يبدأ حياته العملية بعد.

    يتحدّث خالد مع صديقه المغرم بالسفر والرحلات، فيعلم بوجود رحلات سياحية مدعمة للطلاب فى الخارج، بدءًا من العام الدراسى التالى.

    عاد خالد وهو لا يفكر إلا فى كيفية الذهاب فى واحدة من تلك الرحلات، تظل فكرة السفر مسيطرة عليه، إلى أن تلاحظها والدته، فيفصح لها عن رغبته فى السفر، فتعده بأنها ستقنع والده، وسيدبران المال من أجل تحقيق أمنيته.

    مرّ العام الدراسى التالى، وجاء وقت سفره لإحدى البلاد الأوروبية، وكاد يطير من الفرحة، حزم حقيبته ونظر إلى حجرته وكأنه يودعها، وترك المكان دون أن ينظر فى عين أمه، حتى لا ترى فى عينيه قراره، فقد قرّر بينه وبين نفسه ألا يعود.

    عندما وصل خالد البلد الأوروبية، كان منبهرا بكل ما حوله، رأى فيها الجمال المطلق، وشعر أنه لا يستحق أن يعيش إلا وحوله هذا الجمال، وأن ينتمى إليه، نسى كل شىء يربطه بوطنه، نسى أمه وأباه وأخوته، نسى كل شىء إلا أنه لا يريد أن يعود.

    وقبل انتهاء رحلته بيومين، تعرف إلى اثنين من المقيمين هناك دون أوراق رسمية، واستطاع أن يندسّ بينهما، وسط تشجيعهما له، وعاد كل أصدقائه، إلا هو.

    فى مثل هذه الأحوال فى الإقامة غير الشرعية، لا تستطيع العمل إلا فى أعمال النظافة أو مطعم متواضع، لكن لو كنت من أصحاب الحرف اليدوية ربما تجد عملا بسهولة.

    عمل خالد فى النظافة وغسيل الصحون، لأنه لم يكن يجيد أى شىء آخر.. فقد كان بارعا فى الاستيقاظ متأخرا، لأنه اعتاد السهر طول الليل على المقاهى مع أصدقائه، أو الذهاب إلى السينما، والتجول فى المولات الكبيرة للفرجة والمعاكسة!

    لم يرض أن يتدرب فى الإجازات الصيفية والعمل فى أى مجال، فهو يريد أن يتدرّب فى مكان معيّن، وبمواصفات معيّنة، هكذا صوّر له غروره.

    ومرّت خمس سنوات عليه، وهو يعيش هاربًا من البوليس، يتنقّل من عمل لآخر فى شوارع جانبية بعيدة، رضى فيها بالذل والهوان، لكنه لم يفكر أبدًا فى العودة إلى وطنه، وظلت أحلام الثراء والنعيم تملأ عقله ووجدانه، إلى أن التقى فتاة أوروبية، كانت تعمل فى التمريض، وكان عملها شاقا فتعرف إليها، ونشأت بينهما صداقة وطيدة، ومع مرور الوقت أحبّها وأحبّته، وبعد مرور عامين، قررا الزواج، وساعدته فى الحصول على أوراقه الرسمية، وتم الزواج.

    كان أوّل شروطها أن يحصل على عمل فى مكان مستقر، ويبتعد عن أصدقاء السوء المحيطين به، وساعدته عن طريق معارفها على الحصول على عمل معها فى نفس المستشفى كعامل نظافة.

    بدأ عمله بجدّية ونال احترام الجميع، وترقّى فى وظيفته، وبعد أن كان عمله فى البهو الخارجى، أصبح ينظّف غرف المرضى، ثم بعد فترة صار مشرف نظافة، وأنجب من زوجته ابنة جميلة.

    كانت زوجته تتعامل بمنطق الأجانب، وهى المشاركة فى كل شىء، فى العمل وفى المنزل وفى تربية الابنة، أما هو فكان يجد صعوبة فى ذلك، فكيف يفعل ذلك وهو الرجل! لقد تغيّرت حياته، لكن لم يتغيّر تفكيره.

    وجدت زوجته فرصة مناسبة له للترقى، وأن يصبح من العاملين الذين ينظّمون غرف العمليات، مع ما يحمله ذلك من راتب أكبر من موظفى البنوك، لكن فى البداية كان عليه أخذ تدريب لفترة زمنية ليست قصيرة.

    وبدأ بالفعل فى التدريب، واجتاز الاختبار، وكانت زوجته سعيدة جدًا لأنه سيحصل على وظيفة أفضل، وسيرتفع مستواهم المادى.. كان عمله الجديد مرهقا، ويحتاج عناية وتركيزا، لكن لم يمر عليه إلا عام حتى بدأ يتغيّر حاله، وبدأ يتعلل بأنه مريض ويحصل على إجازات مرضية متكرّرة، وأحيانًا يتغيّب بلا أسباب.

    وحذرته زوجته من أنه سيفقد عمله إذا استمر على هذه الحال، لكنه لم ينصت لها، وأهمل أكثر فى عمله، وأصبح يؤديه بلا ضمير وبكسل وعاد للجلوس مع أصدقائه القدامى، حتى تسبب فى مشكلة كبيرة، فتمّ فصله من عمله.

    أصبحت زوجته مصدر المال الوحيد، وهو جالس فى المنزل بلا عمل، وعاد لأصدقائه القدامى الذين تعرف إليهم فى بداية وجوده بهذا البلد.

    كانت زوجته دائمة الشجار معه لأنه لا يعمل ولا يتعاون فى المنزل ولا فى تربية ابنته، فكيف يفعل ذلك وهو الرجل!

    وكأن الرجولة تمثلت فى عقله فى عدم المساعدة فى المنزل، فيما كان رفاق السوء يقولون له: "إنت راجل ومايصحّش ست تمشيك".

    واستمر الخلاف بينه وبين زوجته، لأنه لا يبحث عن عمل، ولا يستمع سوى لصوت عقله والأصدقاء، وعندما زادت الخلافات بينهما، راوده فكر شيطانى، فسرق بعض المال من مدخرات زوجته، واشترى تذكرة عودة إلى القاهرة ومعه ابنته دون علم زوجته، وانتظر يوما ذهبت فيه زوجته إلى العمل، ثم أخذ ابنته وغادر!

    عادت الزوجة إلى المنزل بعد عملها، فلم تجدهما، فانتظرت قليلا، قبل أن يتملكها القلق، حين لم تجد حقيبة السفر فى مكانها، ولا ملابس ابنتها، فاعتقدت أنه ترك المنزل فقط، ولم تتصور أنه قد غادر البلد كله، وذهبت إلى البوليس، ومن هناك علمت أنه غادر!

    صدمت الزوجة من هذا التصرف الأحمق، وبدأت فورا الإجراءات القانونية لاستعادة ابنتها من هذا الرجل.

    عاد خالد إلى وطنه بعد غياب خمسة عشر عامًا، رجلًا فى الرابعة والثلاثين من عمره، بلا هوية، لا يعرف شيئا عن عائلته منذ عامين، ومعه ابنة تنظر إليه فى خوف فهى تريد أمها، وعاد خالد إلى بيت عائلته ليجد والده فارق الحياة منذ عام، مات والده وهو غير راض عنه، وبقيت والدته التى أعياها الحزن، فأصبحت بقايا إنسان.

    لم تقابله والدته بلهفة ولا دموع، فقد جفت عيناها من بكاء السنين!

    عاد ينظر إلى غرفته التى تركها منذ سنوات، ونظر لنفس المرآة التى كان ينظر إليها منذ زمن، لكنها تلفت بفعل السنين.

    عندما علمت أمه بما فعل، صمّمت أن يترك المنزل، فهو ليس ابنها، وما فعله سوف يزجّ به فى السجن، وأنها ستبلغ عنه الشرطة، لكنه لَمْ ينصت لها.

    واستطاعت زوجته باتصالاتها أن تصل إلى سفارة بلدها بالقاهرة، وحلوا المسألة وديا، واقتنع بالعودة مرة أخرى إلى أوروبا، ولكن زوجته اتخذت قرارًا بمنع سفر ابنته معه مرة أخرى، وطلبت منه الطلاق، وبالفعل وقع الطلاق، وطردته من منزلها الذى كانت تملكه.

    وعاد خالد إلى حيثما بدأ، بلا نقود، وبلا عمل، فغلبه الندم، ولأول مرة منذ ترك بلده وأهله تسيل على وجهه دموع الندم، لقد فقد كل شىء من أجل لا شىء، وقد أعطى له الله فرصة ليبدأ لكنه لم يصنها، لأنه إنسان لم يعرف الرضا طريقا إلى وجدانه.. غلبه طموح قاصر أعمى جعله يبحث عن أقصر الطرق دون تعب أو جهد أو عرق .. لينتهى به المطاف وهو فى هذه السن، ضالا فى شوارع بلد لم ينتم إليها يوما، كان يبحث فى أعماقه عن أهل أو وطن ينتمى إليه.. شاب ضَل طريقه إلى المستقبل، وساقه طموحه الأعمى إلى المجهول.

    وأنا أكتب قصة خالد، يراود نفسى إحساس لم أعتده، مزيج من النقمة والإشفاق، لا أعرف أيهما قد يغلب الآخر.. فقررت أن أسرد لكم قصته، وأترك لكم الحكم عليه.

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" "Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب".

    فريدة دياب فضفضة
    للأعلى