فضفضة

الرجالة عايزين إيه؟!

2016-08-31 09:38:12 |
  • فريدة دياب
  • كيف تستطيع أن تحكم على شىء لم تعشه أو تعايشه!

    كيف لك أن تشعر بمشاعر غيرك أو ظروفه، وأنت لم تعش معاناته أو تواجه مشكلاته!

    ذات يوم، وبعد مرور عشرين عامًا من تخرج الزميلات نجلاء ومها ومنال من الجامعة، استطاع فيسبوك جمعهن بعد أن افترقن سنوات، وانشغلت كل منهن بظروف حياتها.

    ولكن ظلت الذكريات الجميلة فى ذاكرة كل منهن.. وبعد شهور من تواصلهن عبر موقع التواصل الاجتماعى، راودهن الحنين للقاء يجمع شملهن بعد سنوات طوال.

    وجاءت فرصة عيد ميلاد "نجلاء"، وبالفعل اتفقن على اللقاء فى مكان هادئ.. تزيّن ولبسن أفضل ما لديهن، وكأنهن يردن القول إنهن لم تتغيرن بمرور الأيام، وكأن الزمن لم يجرِ بهن، لكن وجوههن تغيّرت، وبدت عليهن معالم السنين، ولم تعد ضحكاتهن رنانة وصافية كما كانت!

    نظرت كل منهن للأخرى، وكأنها تحاول اكتشاف أثر السنين عليها.. فغلب الحنين للزمن القديم عليهن وبدت الدمعات فى عيونهن.. وكأن كلا منهن تقول "لست أنا من تركتموها فقد تغير بداخلى الكثير".

    أخذ الحديث يجرى بينهن حول ذكريات الجامعة، فراحت دمعات الحنين وتعالت بدلاً منها ضحكات استرجاع الذكريات والمواقف الطفولية وقصص الأصدقاء والصديقات، وأين ذهبوا مع مرور السنين، إلى أن بدأن الحديث عن حياتهن الخاصة.. واتفقن على أن حياتهن مع ازواجهن تجمعها مشكلة واحدة شائعة "زوجى عينه زايغة!".

    نجلاء

    تكلّمت نجلاء عن طليقها المشهور فى عمله، ذى الاسم والسمعة الرنانتين فى المجتمع، والذى لم يكن أحد يعرفه عندما تزوجها وكيف بدأت حياتها معه وساعدته على أن يتقدم فى عمله، رغم أنه يكبرها بعشر سنوات، وكم عانت معه فى بداية حياتهما، وأنجبت منه ولدين، وكانت كثيرًا ما تستعين بوالدها فى الوفاء باحتياجاتها المالية لتربية أولادها الذين وصلوا سن الشباب الآن، ويدرسون فى الجامعات، ولكن الأيام تبدّلت، وكبر زوجها فى عمله، وبدأت الحياة تستقر ماديًا، وأصبحت أفضل بكثير، لكن كان دائمًا بينهم خلافات بسبب إحساسها الدائم أنه على علاقة بامرأة أخرى! وعندما تفتش فى حياته تجد دائمًا أنها على حق، ودائمًا ما يبرر أنها مجرد علاقات عمل.

    كانت نجلاء شديدة الاهتمام بنفسها ومظهرها، إلى حدّ المبالغة، فى محاولة منها لجذبه اليها، خصوصاً أنه محاط بالنساء، بسبب طبيعة عمله، وكان لديها دائماً هاجس أن أياً منهن لن تمانع فى الزواج منه، رغم أنه متزوج ولديه أولاد!

    صمدت نجلاء كثيرًا، وحاربت بشراسة، دون أن تتخلى عن ابتسامتها، لأنّها كانت تكنّ له حبًا كبيرًا وتغار عليه.

    لكن فجأة، بعد أن تعدى الخمسين، قرر الزواج عليها، من فتاة تصغره بعشرين عامًا، وعندما علمت بذلك من الأصدقاء، واجهته، فلم ينكر، بل اعترف لها بمنتهى البساطة أنه لا يرى غضاضة فى ذلك، وأنه لن يجعلها تحتاج شيئاً، لكنها لم تطق الموقف، فطلبت منه الطلاق، وهو ما تقبله بصدر رحب، وكأن العشرة التى كانت بينهما مجرد علاقة عابرة، فقررت جعل الطلاق صفقة رابحة وأخذت كل ما طلبته منه، لتعيش حياتها دون أن يتأثر مستوى معيشتها وأولادها بالانفصال عنه.

    كانت نجلاء تحكى قصتها لصديقتيها وهى تشعر بمرارة السنين، والألم يبدو واضحاً فى كل كلمة تنطق بها، لكن كان منطقها الذى تهدئ به من غضبها أنها حصلت منه على كل شىء، فقد أخذت منه شبابه وغناه قبل فقره، واستمتعت بشهرته والسفر معه لكل بلاد العالم، وأنجبت رجلين هما قرة أعينها، وما زالت امرأة جميلة تستطيع أن تعيش حياتها فى هدوء، أما زوجته الجديدة، فربما تجد لديه المال لكنها بعد حين ستتحول إلى ممرضة له فى مرضه وشيخوخته، فقد أصبح رجلاً مريضاً وبدأ نجمه فى الأفول، ولن تتحمله زوجته الجديدة كثيرًا، فليس لديها رصيد من الحب ولا الذكريات التى تجعلها سنداً له.. كانت نجلاء تراه خاسراً بمنطقها فى الحياة.

    مها

    كانت هادئة الطبع مؤخرًا على غير ما كانت عليه فى شبابها، فبدت مستسلمة لقضاء الله، وكل كلمة تنطق بها تدل على حب عميق لزوجها، جعلها تتحمل الكثير، فبعد مرور خمس سنوات على زواجهما، أخبرها زوجها أنه يحب امرأة أخرى وينوى الزواج منها، وكان ينوى طلاقها، لكن تغيرت الأمور واعتذر لها وأكملا حياتهما وأنجبا بنتاً وولداً، لكنه عاد مرة أخرى وأخبرها أنه تقدم للزواج من سيدة أحبها، وأنه سيطلقها، وبدآ إجراءات الطلاق بالفعل، لكنه تراجع مرة أخرى، لأنه اكتشف عندما بدأ مشروع زواجه الجديد، أنه ليس هناك فارق بين النساء جميعًا، فيما يخص سلوكهن مع أزواجهن.

    ربما كان يشعر بضيق من مها، لأنها تطارده دائماً بأسئلتها، أين ذهب، ومع من كان، بل وتنتظر كل ليلة حتى ينام، لتفتش فى الموبايل، لترى ماذا يفعل ومع من يتكلم، ما كان سببًا دائماً لخلافهما، أما هو فكان يحب أن يستمتع بحياته بمفرده، فيسافر وحده، ويتركها تبكى لرغبتها فى السفر معه، كانت تفتش ملابسه بعد أن يخلعها، ربما تجد أى شىء تثبت به خيانته لها، إلى أن أحب امرأة أخرى غيرها ظنًا منه أنه وجد الخلاص من شعور الاختناق الذى يعيشه معها، وذهب لخطبتها لكنه صُدم لأنها تفعل ما تفعله مها، بل وأكثر، فهى تحاول أن تحكم قبضتها عليه حتى لا يعود لزوجته أو ينظر إلى امرأة أخرى! فهرب منها وعاد إلى مها، لكنها أدركت أنه لم يعد إليها، وإنما عاد من أجل أولاده، فكادت تصرخ فيه قائلة "حبّنى زى ما بحبك، حس بيا واتقى الله"، لكن صوتها ظل حبيس أعماقها، وارتضت أن تكمل حياتها معه لكن بأسلوب مختلف، فلم تخلق أى مشكلات، وقررت أن تباعد المسافات بينهما، فلم تعد تفتش فى موبايله أو تسأله لماذا يصر على السفر دونها، رغم ثقتها أنه يخونها، لكنها قررت ألا تزعج نفسها بمحاولات الوصول إلى دليل خيانته، بل وصارت تدّعى أنها تصدقه، رغم الظنون التى لا تفارقها.

    لقد رمت مها حمولها على الله، الذى لا يسامح فى حق عباده، وقررت العيش ما بقى لها من العمر فى سكينة، رغم الشكوك والظنون التى يمكن أن تعكر صفو حياة أى امرأة.

    منال

    زواجها من أول يوم كان عجيبًا، وفكرها أيضًا مختلفاً، فمنذ اليوم الأول فوجئت بزوجها يبدى رغبته فى أن ينام بمفرده، وأن يكون لكل منهما غرفة منفصلة، وحاول إقناعها بأن ذلك أفضل لحياتهما الزوجية، فوافقت حفاظًا على كرامتها، ولم تعِ وقتها أن ذلك يعنى الكثير لأى امرأة، وكانت حياتهما تبدو وكأنها نموذج ناجح أمام الأصدقاء والأقارب، فقد اشتركا فى حبهما للمظاهر الاجتماعية أكثر من حبهما للدفء والحنان والألفة بينهما.

    أنجبا بنتا واحدة، واهتما اهتمامًا بالغاً بتربيتها وتعليمها.

    كانت منال تعمل، وكانت مميزة ولها مكانة بين زملائها ومعارفها، وهكذا كان زوجها، لكنه لم يكن يضيع أى وقت يمكن أن يستغله فى نزوات عاطفية عابرة تشعره أنه رجل مرغوب فيه من النساء!

    وكانت أخبار نزواته تصل منال، وكلما علمت بنزوة جديدة، كان شىء بداخلها يتغيّر، حتى أصبحت لا تدرى من هى، فكانت أحياناً ما تنظر إليه على أنه رجل غريب عنها، تعيش معه فقط لأنها لا تريد الانفصال، حفاظًا على المظهر الاجتماعى، أو ربما لأنها ترفض أن تعلن على الملأ أن امرأة أخرى قد هزمتها.

    لم تكن منال تشعر بأى خجل وهى تحكى لصديقتيها أنها صارت تبحث عن الكلمة الحلوة خارج منزلها الذى أصبح خاويًا من المشاعر، رغم توافر كل ما كان يمكن أن يجعلها وزوجها يعيشان حياة سوية سعيدة.

    وظلت المفاجآت تتوالى عليها، فقد تزوج زوجها عليها مرات، وكانت تدافع عن نفسها بعنف لا يصدق، فلا مانع أن تذهب لبيت الزوجة الثانية، وتتشاجر معها ومع أهلها، وتصطنع فضيحة كبيرة ليطلقها، بل لم يكن لديها مانع حتى أن تستأجر من يفعل ذلك نيابة عنها وهى بعيدة!

    إلى أن جاءت زيجته الأخيرة، وحملت منه زوجته، فلم تفلح محاولاتها لإبعاده عنها هذه المرة، فارتضت الواقع، حتى أنجب من زوجته ابنة ثانية له، وظلت منال تعيش معه، وتخرج، وتحضر مناسبات العائلة، حتى لا يشمت فيها أحد، وإن كانت قد أصبحت بلا قلب ولا مشاعر، لقد صارت مجرد روح معذبة .

    انتهى اللقاء بينهن، ونسين إطفاء شمعة عيد ميلاد نجلاء، فالكلام عن حياتهن أثار شجونًا وفتح جروحًا أكبر بكثير من لحظة إطفاء شمعة ميلاد إحداهن.

    وصارت كل منهن تسأل نفسها: كيف تحمّلت صديقاتها تلك الحياة، وكيف أكملتها على هذا النحو، ونسين أننا لا نستطيع إصدار أحكام على الآخرين دون أن نعيش ظروفهم، أو نصل إلى مكنون نفوسهم، ونعيش معاناتهم، لكنهن اتفقن على تساؤل واحد، ظل ولا يزال يحيرهن، ولا يجدن له إجابة منطقية، سؤال يحيّر معظم النساء، وهو ما الذى يريده الرجال. ولماذا معظمهم هكذا؟

    وأنا أتساءل معهن: همّ الرجالة عايزين إيه؟

    فهل لدى أى من قرّائى إجابة؟

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" "Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب"

    فريدة دياب فضفضة
    للأعلى